صراحة نيوز- بقلم زياد فرحان المجالي
من شهادات البث التلفزيوني الاردني إلى الطعن في التوقيعات والوكالات… نظام الخبرة الجديد خطوة إصلاحية تستحق التأييد، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تبحث المحكمة عما حدث فعلاً، لا عما تقوله الأوراق وحدها.
ليست العدالة مجرد نصوص قانونية تُطبّق، ولا أحكام تصدر استناداً إلى أوراق تحمل أختاماً وتوقيعات، بل هي قبل ذلك قدرة مؤسسات القضاء على الوصول إلى الحقيقة، والتمييز بين ما تثبته الوثيقة شكلاً وما تثبته الوقائع موضوعاً. فقد تكون الورقة صحيحة من حيث صدورها، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات الواقعة التي تتحدث عنها، وقد يكون التوقيع موجوداً، لكن النزاع حوله يحتاج إلى خبرة فنية لا يجوز أن تتحول إجراءاتها إلى وسيلة لإطالة أمد التقاضي.
من هنا، تستحق خطوة وزير العدل الدكتور بسام التلهوني، بإدخال نظام الخبرة أمام المحاكم حيز النفاذ، التأييد والتقدير؛ لأنها تفتح باباً مهماً لتطوير إحدى أكثر الأدوات تأثيراً في تكوين القناعة القضائية، وتضع أمامنا سؤالاً يتجاوز التنظيم الإداري للخبراء: كيف نضمن ألا تصبح الوثيقة أقوى من الحقيقة التي يفترض أن تثبتها؟
فالوزير تحدث عن تنظيم أعمال الخبرة، واعتماد الخبراء وتأهيلهم، وإنشاء قلم خاص للخبرة داخل المحاكم، وتوحيد الإجراءات ورفع كفاءتها وتسريع إنجازها. وهي خطوات مهمة، لكن قيمتها الحقيقية لن تقاس بعدد الخبراء المعتمدين أو بسرعة إعداد التقارير وحدها، وإنما بقدرتها على جعل الخبرة وسيلة لكشف الحقيقة، لا مجرد إجراء إضافي في ملف الدعوى.
# عندما تتحول الفاتورة إلى دليل على واقعة لم تُثبت
أتحدث هنا من واقع تجربة شخصية ومهنية امتدت سنوات في العمل الإعلامي والإعلاني، وأفضت إلى نزاع قضائي مع مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الأردنية، كان من أبرز محاوره الخلاف حول إثبات تنفيذ بث إعلانات تلفزيونية.
في العمل التلفزيوني، هناك فرق جوهري بين إصدار فاتورة مالية وبين تنفيذ البث فعلياً. فالفاتورة وثيقة محاسبية تثبت تسجيل مطالبة أو عملية مالية، لكنها لا تشكل بذاتها دليلاً فنياً قاطعاً على أن الإعلان ظهر على الشاشة في الموعد والمدة وعدد المرات المتفق عليها.
إثبات البث يحتاج إلى منظومة مترابطة من الأدلة، تبدأ بأمر البث، وتمر بجداول التشغيل والسجلات الفنية، وتنتهي بالتحقق من التنفيذ الفعلي ومطابقته للالتزامات التعاقدية.
وهنا تظهر أهمية الخبرة المتخصصة.
فالخبير المحاسبي يستطيع فحص الفواتير والأرصدة والقيود المالية، لكنه لا يستطيع، بمجرد قراءة فاتورة، أن يجزم بأن إعلاناً بُث فعلاً. وهذه مسألة تحتاج إلى معرفة فنية بأنظمة التشغيل التلفزيوني وسجلات البث، وربما إلى خبرة مشتركة تجمع الاختصاصين الإعلامي والمحاسبي.
وفي تجربتي، كان جوهر الاعتراض على بعض شهادات البث والمستندات المقدمة هو مدى مطابقتها للتنفيذ الفعلي، وهي مسألة لا ينبغي حسمها بالافتراض، بل بالفحص الفني المحايد. وهذا ليس حكماً مسبقاً على صحة الوثائق أو بطلانها، وإنما تأكيد لحق المتقاضي في اختبار دلالتها ومضمونها بالأدلة المتاحة.
فقد تكون الوثيقة صادرة عن جهة رسمية، ومع ذلك يبقى السؤال مشروعاً: هل تثبت الواقعة محل النزاع، أم تثبت فقط أن الجهة أصدرت وثيقة بشأنها؟
إن احترام الوثيقة الرسمية لا يعني إعفاء مضمونها من الفحص عندما يكون ذلك المضمون نفسه موضع النزاع.
# التوقيعات والوكالات… حين يصبح التأخير جزءاً من المشكلة
أما التجربة الثانية، فتتعلق بمحامٍ من أفراد أسرتي واجه طعناً في وكالات قانونية، رغم أن التوقيعات، بحسب الوقائع التي عُرضت عليّ، تمت بحضور أربعة شهود.
لا أطرح هذه الواقعة للحكم على نيات الأطراف أو استباق ما تقرره المحكمة، فالطعن حق قانوني متى توافرت أسبابه، وإنما للإشارة إلى مشكلة إجرائية تستحق المعالجة: ماذا يحدث عندما يتأخر الفصل الفني في صحة توقيع أو وكالة، وتبقى الإجراءات القضائية معلقة بانتظار تقرير الخبرة؟
إن العدالة لا تتحقق بمجرد إتاحة الحق في الطعن، بل تقتضي أيضاً ألا يتحول انتظار الخبرة إلى عبء غير متناسب على صاحب الحق، أو إلى وسيلة لتعطيل الفصل في أصل النزاع.
ووجود أربعة شهود، وإن كان عنصراً مهماً في الإثبات، لا يغني بالضرورة عن الخبرة الفنية إذا رأت المحكمة لزومها. لكن المطلوب أن تكون الخبرة دقيقة وسريعة ومستقلة، وأن تُحدد مهمتها بوضوح، حتى لا يتسع نطاقها إلى مسائل لا تحتاج إلى بحث فني.
فالوقت في التقاضي ليس تفصيلاً إدارياً؛ إنه جزء من العدالة ذاتها.
الخبرة ليست بديلاً عن القاضي
لا ينبغي أن يُفهم من المطالبة بتطوير الخبرة القضائية أن الخبير يحل محل المحكمة أو أن تقريره يصبح حكماً نهائياً في النزاع.
فالخبير يقدم رأياً فنياً ضمن حدود اختصاصه، بينما تبقى سلطة تقدير الأدلة والفصل في الحقوق والالتزامات للمحكمة وفق القانون.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتجاوز الخبرة حدودها الفنية إلى استنتاجات قانونية، أو عندما يُطلب من خبير في اختصاص معين الفصل في مسائل تنتمي إلى اختصاص آخر.
فالنزاع المحاسبي الذي يتوقف على إثبات تنفيذ خدمة إعلامية لا يكفيه بالضرورة خبير حسابات وحده، والطعن في التوقيع لا يجوز أن يُحسم بالانطباعات أو القرائن المجردة إذا كانت المسألة تستدعي فحصاً فنياً متخصصاً.
ولهذا فإن نجاح النظام الجديد يتطلب، إلى جانب اعتماد الخبراء وتأهيلهم، عناية خاصة باختيار الاختصاص المناسب لكل نزاع، وتحديد المهمة الفنية بدقة، وضمان حياد الخبير، وإتاحة مناقشة النتائج والاعتراض عليها وفق الأصول.
### من تنظيم الخبرة إلى إصلاح ثقافة الإثبات
إن ما نحتاج إليه ليس مجرد نظام أسرع لإعداد تقارير الخبرة، بل ثقافة قضائية وفنية أكثر حساسية للفارق بين وجود المستند وثبوت الواقعة.
فليس كل عقد دليلاً على التنفيذ، ولا كل فاتورة دليلاً على تقديم الخدمة، ولا كل شهادة إدارية بديلاً عن السجل الفني، كما أن مجرد الطعن في توقيع لا يعني ثبوت بطلانه.
هذه الفروق تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها قد تحدد مصير نزاعات مالية كبيرة، وتؤثر في حقوق الأفراد والمؤسسات وسمعتهم ومستقبلهم.
ومن الإنصاف أيضاً التأكيد أن تطوير العدالة مسؤولية مؤسسية مشتركة، لا يجوز اختزالها في أداء قاضٍ أو خبير أو جهة إدارية. فالقضاء المستقل يحتاج إلى أدوات إثبات موثوقة، وإجراءات فعالة، وخبرات قادرة على التعامل مع تعقيدات الاقتصاد والإعلام والتكنولوجيا والعلاقات التعاقدية الحديثة.
ولهذا أرى أن مبادرة وزير العدل الدكتور بسام التلهوني تستحق الدعم، شريطة أن تتحول من تحديث تنظيمي إلى ممارسة عملية يشعر المتقاضي بأثرها، وأن تكون هناك معايير واضحة لجودة التقارير الفنية ومدد إنجازها، وآليات فعالة للمساءلة عن القصور المهني، دون المساس باستقلال المحكمة أو حقوق الخصوم.
العدالة لا تخشى السؤال
لا أكتب هذه الكلمات طلباً لتدخل في قضية منظورة، ولا اعتراضاً على حق القضاء في تقدير الأدلة، وإنما انطلاقاً من قناعة بأن التجارب الشخصية، مهما كانت قاسية، يمكن أن تتحول إلى مساهمة في النقاش العام حول إصلاح المؤسسات.
فالغاية ليست أن ينتصر طرف على آخر خارج قاعة المحكمة، بل أن يمتلك كل طرف فرصة عادلة لإثبات حقه، وأن تتوافر للقاضي الأدوات الفنية التي تساعده على الوصول إلى الحقيقة.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه العدالة ليس نقص الأوراق في ملفاتها، بل وفرتها حين تحجب الوقائع بدلاً من أن تكشفها؛ عندما يصبح حضور الوثيقة بديلاً عن التحقق من مضمونها، ويصبح التوقيع أقوى من سياقه، والفاتورة أقوى من الخدمة التي يفترض أنها تثبتها.
وعندئذ لا تكون قيمة الإصلاح في إضافة إجراء جديد، بل في تصحيح طريقة التفكير في الإثبات نفسه.
فالعدالة القوية ليست تلك التي تملك أكبر عدد من الوثائق، بل تلك التي تملك القدرة على أن تسأل، قبل كل شيء: هل ما تقوله هذه الورقة قد حدث فعلاً؟

