صراحة نيوز – بقلم ليث ذياب
بالتأكيد ان انتخابات اتحاد طلبة الجامعة الأردنية هي من اهم الأحداث التي تُعبّر عن الحياة السياسية والشبابية داخل الجامعات الأردنية تعكس صورة مصغّرة عن الحياة السياسية في البلاد، وعن الطريقة التي يفكر بها الجيل الجديد في السياسة والعمل العام والتمثيل المنطلق، فإن أي تعديل يطرأ على تعليمات الانتخابات يثير بطبيعة الحال نقاشًا واسعًا بين الطلبة والقوى الطلابية والإدارة الجامعية ويمتد حتى لخارج الجامعة باعتبارها قضايا رأي عام في مشهد يعكس حساسية ملف العمل الطلابي في الأردن.
وفي خضم الجدل الدائر حول التعديلات الأخيرة على تعليمات اتحاد الطلبة برزت أصوات عديدة رافضة للتعديلات وتركزت في بعض البنود وخاصة ما يتعلق بالتعيين لفئات من الطلبة وتقليص مقاعد القائمة العامة باعتبار هذه التعديلات تراجعًا عن مبدأ الانتخاب الحر. وعودة إلى أنماط إدارة كانت الجامعات قد تجاوزتها منذ سنوات في المقابل، فيما تبدو إدارة الجامعة مقتنعة بأن النظام السابق لم يعد قادرًا وحده على إنتاج تمثيل متوازن داخل الاتحاد، وأن الحاجة باتت قائمة لتجربة صيغ مختلفة تضمن حضور فئات لم تنجح البيئة الانتخابية التقليدية في إيصالها بصورة حقيقية. إلا أنني ارى قراءة أكثر هدوءًا وموضوعية تقتضي النظر إلى هذه التعديلات ضمن سياق أوسع، آخذ بعين الاعتبار طبيعة التجربة الطلابية الأردنية، والتحديات الواقعية التي تواجه تمثيل بعض الفئات داخل الاتحادات الطلابية. دون الأتجاه السريع نحو الأحكام القطعية بل النظر للموضوع من زاوية اجتهاد إداري قابل للنقاش والتقييم.
فالحديث عن التعيين داخل مؤسسة يفترض أنها منتخبة يثير حساسية تلقائية لدى أي مؤمن بفكرة التمثيل الديمقراطي. باعتبار حيث أن مبدأ الانتخاب هو الأصل في أي تجربة ديمقراطية لكن الديمقراطية الحديثة لا تقوم فقط على صندوق الاقتراع، بل كذلك على ضمان العدالة التمثيلية وإتاحة الفرصة للفئات التي قد تُقصى بحكم الواقع الاجتماعي أو الثقافي أو حتى طبيعة التحالفات الانتخابية السائدة. ومن هنا يمكن فهم توجه إدارة الجامعة نحو تخصيص مقاعد للطالبات وبعض الفئات الأخرى ضمن صيغة تهدف إلى تحقيق تمثيل أكثر شمولًا . فالمشكلة لا تكمن بالعملية الانتخابية بل في النتائج التي تفرزها البيئة الانتخابية نفسها.
فالواقع الانتخابي داخل الجامعات الأردنية، بما فيها الجامعة الأردنية، ما يزال يتأثر في كثير من الأحيان بالاعتبارات المناطقية والعشائرية والتحالفات التقليدية، الأمر الذي يجعل فرص تمكين المرأة داخل القوائم العامة محدودة في بعض الكليات. وحتى عندما تُدرج الطالبات ضمن القوائم، فإن وجودهن أحيانًا يكون شكليًا أو مرتبطًا بحسابات انتخابية لا تعكس تمكينًا حقيقيًا لدور المرأة القيادي داخل الاتحاد. ولعل ان تمثيل الطالبات كان العنوان الأبرز في هذا الجدل. فالجامعة، على ما يبدو، أرادت منح الطالبات فرصة حضور مضمونة داخل الاتحاد، بدل ترك المسألة بالكامل لتحالفات انتخابية كثيرًا ما همّشت الأدوار النسائية أو أبقتها ضمن حدود الحضور الشكلي. وصحيح أن الطالبات نجحن في الوصول سابقًا عبر الانتخابات، لكن ذلك لم يكن كافيًا دائمًا لبناء تمثيل مستقر وفاعل داخل الهيئات الطلابية. وفي ظل هذه البيئة كثيرًا ما بقي تمثيل الطالبات محدودًا أو خاضعًا لحسابات شكلية لا تمنحهن دورًا حقيقيًا في صناعة القرار داخل الاتحاد.
ومن هنا، فإن الهدف من التعيين وفق هذه القراءة هو فهم فلسفة التعديلات الأخيرة حتى لو اختلف البعض مع أدواتها لا يبدو انتقاصًا من حق الطلبة بقدر ما هو محاولة لإعطاء الطالبات فرصة فعلية للحضور والمشاركة والتأثير، بعيدًا عن منطق “الديكور الانتخابي” أو الزج بأسمائهن داخل قوائم تُبنى أساسًا على اعتبارات مناطقية أو اجتماعية. فتمكين المرأة لا يُقاس فقط بوجود اسم نسائي على ورقة الاقتراع، بل بقدرتها على الوصول والمشاركة وصناعة القرار داخل المؤسسة الطلابية.. والمفارقة أن بعض المعترضين يتحدثون عن تمكين المرأة، لكنهم يتجاهلون أن إدراج الطالبات داخل القوائم الانتخابية لم يكن دائمًا تعبيرًا عن تمكين حقيقي، بل في أحيان كثيرة مجرد استكمال لشكل القائمة أو تلبية لحسابات انتخابية ضيقة. أما الوصول الحقيقي، فهو أن تمتلك الطالبة مساحة فعلية للتأثير والحضور واتخاذ القرار.
وفي المقابل، يُحسب للقوى الطلابية أنها عبّرت عن موقفها بطريقة سياسية وسلمية من خلال المقاطعة وإصدار البيانات وتنظيم الحوارات، وهو حق مشروع يعكس وجود مساحة من العمل العام داخل الجامعة. وتبقى أداة ضغط مشروعة. لأن تطوير المؤسسات لا يتم فقط من خارجها، بل أيضًا عبر الاشتباك معها والمنافسة داخلها. لكن من المهم أيضًا ألّا تتحول المقاطعة إلى حالة دائمة تُفرغ المؤسسات الطلابية من مضمونها، لأن تطوير التجربة الديمقراطية لا يكون فقط بالمقاطعة، بل كذلك بالمشاركة، وتقديم البدائل، وخوض النقاش من داخل المؤسسات. لان استمرار القطيعة لفترة طويلة قد يقود إلى نتيجة معاكسة تتمثل بإضعاف العمل الطلابي نفسه وتحويل الاتحاد إلى مؤسسة فاقدة للحيوية السياسية وهذا هو نفس الخوف الذي تحمله الان هذه القوى الطلابية وقد يصلون إلى هذه النتيجة التي يخشونها بمقاطعتهم.
وإدارة الجامعة الأردنية ، بما تمثله من رمزية أكاديمية ووطنية، تدرك بلا شك حساسية هذا الملف، وتسعى حتى وإن اختلف البعض مع أدواتها إلى الحفاظ على استقرار الحياة الجامعية وتطوير العمل الطلابي بصورة تدريجية ومتوازنة. ومن غير المنصف اختزال التعديلات باعتبارها “مصادرة للإرادة الطلابية”، في وقت يمكن فيه النظر إليها كمحاولة لإعادة تنظيم المشهد الانتخابي وضمان تمثيل فئات ربما لم تكن تحظى بحضور كافٍ سابقًا. و قد لا تكون الصيغة الحالية التي وضعتها إدارة الجامعة مثالية، وربما تحتاج لاحقًا إلى مراجعة أو تعديل، لكن التعامل معها باعتبارها “انقلابًا” على إرادة الطلبة يبدو مبالغًا فيه. فالأنظمة الانتخابية ليست نصوصًا مقدسة، بل أدوات تتطور بالتجربة والخطأ، فالأنظمة الانتخابية في مختلف دول العالم والجامعات تتطور باستمرار بناءً على النتائج والتجارب العملية، ومن الطبيعي أن تسعى إدارة الجامعة إلى اختبار صيغ جديدة قد تُسهم في تحسين التمثيل الطلابي وتحقيق توازن أكبر داخل الاتحاد.
وفي النهاية، تبقى التجربة الديمقراطية داخل الجامعات عملية تراكمية لا تُبنى بقرار واحد ولا تنهار بتعديل واحد وقد ينجح هذا التعديل او يفشل لكن الأهم هو استمرار الحوار بين الإدارة والقوى الطلابية، والانفتاح على تقييم التجربة بعد تطبيقها، بما يضمن الوصول إلى نظام انتخابي أكثر عدالة وفاعلية، يحافظ على استقلالية العمل الطلابي، ويمنح في الوقت ذاته فرصًا حقيقية للفئات التي تحتاج إلى تمكين ودعم داخل الحياة الجامعية.

