صراحة نيوز- بقلم الدكتور محمد خالد العزام
في زمنٍ تتكاثر فيه الأعباء على كتفي المواطن كما تتكاثر الغيوم الثقيلة فوق مدينة أنهكها الانتظار، جاء حديث سعادة النائب مصطفى العماوي، وما نُقل عن سعادة النائب السابق فواز الزعبي، ليحرّك المياه الراكدة في وجدان الشارع الأردني، ويعيد فتح أبواب الأسئلة التي حاول الصمت أن يوصدها طويلًا.
فحين يتحدث رجال الدولة عن إدارة بعض ملفات مقدرات الوطن، لا يبقى الكلام مجرد حروف تُقال تحت القبة أو في المجالس، بل يتحول إلى نبضٍ يتردد في الأسواق والبيوت، وإلى قلقٍ يطرق أبواب الناس الذين يواجهون يوميًا قسوة الغلاء وتراجع مستوى المعيشة. المواطن اليوم لا يبحث عن رفاهية الخطاب، بل عن طمأنينة الخبز، وعن عدالة القرار، وعن شعورٍ بأن الوطن يتسع للجميع لا لفئةٍ اعتادت الوقوف في الظل لتحصد الامتيازات.
لقد أصبح الأردني يشعر أحيانًا وكأنه يسير في طريقٍ طويل يحمل على ظهره أزماتٍ لم يصنعها، بينما تُدار بعض الملفات بعقلية المصالح الضيقة التي تُطفئ ضوء العدالة وتترك الناس في مواجهة العتمة وحدهم. وما بين التصريحات والتساؤلات، تتسلل إلى الشارع حالة من الحيرة الممزوجة بالمرارة؛ فالمواطن الذي يصحو كل يوم على ارتفاع الأسعار، وتآكل القدرة الشرائية، وضيق الفرص، لم يعد يحتمل أن يرى كرامته تُرهق أكثر تحت ثقل الأزمات.
إن المؤلم حقًا ليس فقط حجم الضغوط الاقتصادية، بل ذلك الشعور المتنامي بأن المواطن هو من يدفع الثمن في كل مرة، فيما تبقى بعض الامتيازات عصية على المساس، وكأنها جزرٌ محصنة وسط بحرٍ من المعاناة. وهنا تحديدًا تتجلى خطورة الرسائل التي حملها حديث العماوي وما نُقل عن الزعبي، لأنها لامست وجعًا حقيقيًا يسكن تفاصيل الحياة اليومية للناس.
الأوطان لا تُبنى بالصمت على الأسئلة، ولا تُحمى بتجاهل القلق الشعبي، بل بالشفافية التي تشبه نافذة تُفتح ليدخل منها هواء الثقة. فحين يشعر المواطن أن صوته مسموع، وأن همّه حاضر على طاولة القرار، يصبح أكثر قدرة على الصبر وأكثر استعدادًا لتحمل التحديات. أما حين تتسع الفجوة بين الناس وبعض مراكز النفوذ، فإن التعب يتحول إلى غصة، والأسئلة إلى عاصفة مكتومة.
ويبقى الأردن، رغم كل شيء، وطنًا أكبر من الأزمات وأعمق من المصالح العابرة، وطنًا يستحق أن تُدار مقدراته بعينٍ ترى المواطن أولًا، لا باعتباره رقمًا في معادلة اقتصادية، بل إنسانًا يريد أن يعيش بكرامة تحت سماء وطنه. ففي النهاية، لا شيء يُرهق الشعوب أكثر من الإحساس بأن تعبها يذهب لغير مستقبلها، ولا شيء يُعيد الأمل أكثر من عدالةٍ يشعر بها الجميع دون استثناء.

