صراحة نيوز – بقلم : المهندس سمير سليمان
قبل سنوات، كان المزارع ينتظر زيارة المرشد الزراعي أو موعد اليوم الحقلي ليحصل على معلومة قد تغيّر طريقة تعامله مع محصوله. اليوم تغيّر المشهد كثيراً. فالهاتف الذي يحمله المزارع في جيبه أصبح، في كثير من الأحيان، أقرب وسيلة للحصول على النصيحة الزراعية أو متابعة حالة الطقس أو حتى معرفة أسعار السوق.
في الأردن، دخلت وسائل التواصل الاجتماعي الحياة الزراعية بهدوء، ثم أصبحت جزءاً من تفاصيلها اليومية. مجموعات الواتساب الزراعية، وصفحات الفيسبوك، والفيديوهات القصيرة على يوتيوب أو غيره، لم تعد مجرد مساحة للكلام، بل تحولت إلى مكان يتبادل فيه المزارعون الخبرة والتجربة والسؤال والاطمئنان. صورة بسيطة لورقة نبات مصابة قد تصل إلى خبير أو مهندس زراعي خلال دقائق، ويأتي الرد بسرعة، أحياناً قبل أن تتفاقم المشكلة في الحقل.
وربما ما أعطى هذه الوسائل قيمتها الحقيقية أنها قرّبت المسافة بين المعلومة والمزارع. فالكثير من المزارعين، خاصة في المناطق البعيدة، كانوا يجدون صعوبة في الوصول إلى التدريب أو الاستشارة الفنية بشكل مستمر. أما اليوم، فأصبح الوصول إلى المعرفة أسهل وأسرع وأكثر قرباً من الواقع اليومي للناس.
وخلال جائحة كورونا تحديداً، ظهرت أهمية هذا التحول بشكل واضح. ففي الوقت الذي تعطلت فيه كثير من الأنشطة الميدانية، بقي التواصل قائماً عبر الهاتف والشاشات الصغيرة. واستمر المزارعون في طرح الأسئلة وتبادل الخبرات ومتابعة التوصيات الزراعية رغم الإغلاقات والظروف الصعبة. يومها شعر كثيرون أن الإرشاد الزراعي الرقمي لم يعد فكرة حديثة أو ترفاً تقنياً، بل حاجة حقيقية لاستمرار العمل الزراعي نفسه.
وفي هذا السياق، برزت تجربة عملية مهمة قادها المركز الوطني للبحوث الزراعية بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، من خلال إطلاق برنامج وتطبيق رقمي موجه للمزارعين قبل نحو أربعة أعوام. وقد ساهم هذا التطبيق في تقريب المعلومة الزراعية من المزارع بطريقة أبسط وأسرع، سواء عبر التوصيات الفنية أو التنبيهات الزراعية أو الإرشادات المرتبطة بالطقس والممارسات الزراعية. وربما تكمن أهمية هذه التجربة في أنها نقلت جزءاً من الإرشاد الزراعي من المكاتب إلى الهاتف الذي يحمله المزارع معه في الحقل كل يوم.
وزارة الزراعة الأردنية، من خلال مديريات الإرشاد والمراكز الزراعية، واكبة هذا التغيير، إلى جانب الدور المهم الذي لعبه المركز الوطني للبحوث الزراعية في نقل نتائج الأبحاث إلى المزارعين بلغة أبسط وأقرب للتطبيق. كما ساهمت الجامعات والمهندسون الزراعيون والباحثون، كلٌ بطريقته، في إثراء هذا الحضور الرقمي الزراعي الذي أصبح جزءاً من المشهد اليومي.
لكن ما يحدث اليوم لا يتعلق فقط باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، بل بتغير طريقة وصول المعرفة نفسها. فالمزارع لم يعد متلقياً فقط، بل أصبح مشاركاً أيضاً. هو يصوّر، ويسأل، ويجرّب، وينقل تجربته لغيره. وفي كثير من الأحيان، تنتقل الخبرة من مزارع إلى آخر بسرعة أكبر من أي وسيلة تقليدية.
وفي المقابل، ظهرت تحديات جديدة لا يمكن تجاهلها. فكما تنتشر المعلومة الصحيحة بسرعة، تنتشر أيضاً المعلومات غير الدقيقة أو النصائح غير المبنية على أساس علمي. لذلك أصبحت الحاجة أكبر إلى محتوى زراعي موثوق، بسيط، ويحترم عقل المزارع ووقته وتجربته.
كما لعب القطاع الخاص والجمعيات التعاونية دوراً متزايداً في هذا المجال، سواء من خلال التدريب أو التسويق أو ربط المزارعين بالتقنيات الحديثة والأسواق. وساهمت منظمات دولية، وفي مقدمتها منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، في دعم برامج التحول الرقمي وبناء قدرات المرشدين والمزارعين، خاصة في مجالات الزراعة الذكية مناخياً والتقنيات الحديثة.
وربما أجمل ما في هذا التحول أن الإرشاد الزراعي أصبح أكثر قرباً من الناس وأقل رسمية. فالمعلومة لم تعد تصل من مكتب مغلق إلى الحقل فقط، بل أصبحت تدور بين الناس أنفسهم، تحمل معها شيئاً من الخبرة اليومية والثقة والعلاقة الإنسانية.
وفي بلد مثل الأردن، حيث تواجه الزراعة تحديات المياه والمناخ وارتفاع كلف الإنتاج، فإن بناء منظومة إرشاد زراعي حديثة لا يتعلق بالتكنولوجيا وحدها، بل بقدرتنا على إبقاء المزارع قريباً من المعرفة، وقريباً أيضاً من الشعور بأن هناك من يسمعه ويقف إلى جانبه.

