صراحة نيوز – بقلم: جهاد مساعدة
لا تحتاجُ أحيانًا إلى سيرةٍ ذاتية، ولا إلى خبرةٍ في الإدارةِ العامة، ولا حتى إلى معرفةِ الفرقِ بين الوزارةِ والمديرية… يكفي أن يكتبَ أحدُهم اسمَك في منشورٍ إلكتروني، حتى تستيقظَ داخلكَ فجأةً روحُ رجلِ الدولة.
القصةُ بدأتْ في جلسةٍ عادية، لا سياسةَ فيها ولا وزارات.
عدةُ أصدقاءٍ يجلسونَ حولَ طاولةٍ صغيرة، يلعبونَ الشدّة، ويتجادلونَ حولَ ورقةِ الديناري أكثرَ ممّا يتجادلُ السياسيونَ حولَ الموازنة.
وأثناءَ اللعب، قرّرَ أحدُ الأصدقاءِ أن يمزح.
فتحَ هاتفَه، وأرسلَ إلى أحدِ المواقعِ الإلكترونيةِ اسمَ صديقِه بوصفِه مرشّحًا قويًا لإحدى الوزارات.
ضحكَ الجميع.
حتى صاحبُ الاسمِ ضحكَ في البداية.
لكنَّ المشكلةَ بدأتْ حينَ نُشرَ الخبر.
فجأةً، تغيّرَ الرجل.
اعتدلَ في جلستِه.
خفَّفَ ضحكاتِه.
وبدأَ يُقلّبُ أوراقَ الشدّةِ ببطء، كأنَّهُ يراجعُ أسماءَ حكومةٍ سيُعلَنُ عنها بعدَ قليل.
وفي أقلِّ من ساعة، كانَ قد قرأَ الخبرَ خمسينَ مرة، وأرسلَهُ إلى أقاربِه وأصدقائِه، وبدأَ يستقبلُ الاتصالاتِ والتهاني بصوتٍ خافتٍ يشبهُ تواضعَ المسؤولين قبلَ القسم.
بعضُ الناسِ باركوا له.
وبعضُهم قالوا: إنَّ المناصبَ تزهو بك.
وأحدُهم سألهُ بجدية: إذا صرتَ وزيرًا… لا تنسانا.
ومنذُ تلكَ اللحظة، لم يعدِ الرجلُ لاعبَ شدّة، بل مشروعَ وزيرٍ مؤجّل.
صارَ يتحدّثُ عن المرحلةِ القادمة، وعن ضرورةِ الإصلاح، وعن رؤيتِه لتطويرِ القطاع، رغمَ أنَّهُ قبلَ ساعةٍ فقط كانَ مختلفًا مع أصدقائِه حولَ احتسابِ لعبةِ الطرنيب.
وحينَ اقتربَ موعدُ إعلانِ التشكيلة، عاشَ الرجلُ حالةَ استنفار.
جلسَ أمامَ التلفازِ بوجهٍ يشبهُ وجوهَ المرشحين للانتخابات، وكلّما ذُكرَ اسمُ وزارةٍ اقتربَ أكثرَ من الشاشة.
لكنَّ الصدمةَ جاءتْ قاسية.
الوزارةُ ذهبتْ إلى شخصٍ يعرفُه جيدًا.
شخصٌ تربطهُ به علاقةٌ قديمة.
وهنا… بدأتِ المأساة.
لم يغضبْ لأنَّهُ لم يصبحْ وزيرًا، بل غضبَ لأنَّ الرجلَ الآخرَ قبلَ الوزارة، رغمَ أنَّ اسمَهُ هو كانَ قد نُشرَ قبلَ أيام.
ومنذُ تلكَ الليلة، تحوّلَ الوزيرُ الجديدُ، في نظرِه، إلى خائنٍ للصداقة، وسارقٍ لحلمٍ صنعَهُ موقعٌ إلكترونيٌّ نشرَ اسمَهُ على سبيلِ المزاح.
صارَ يقولُ بغضب:
كيف رضي على حاله يأخذ وزارة كان اسمي مطروحًا إلها؟!
وكأنَّ الدولةَ كانتْ تنتظرُ موافقتَه الشخصية قبلَ إعلانِ التشكيل.
ومنذُ ذلكَ اليوم، تغيّرَ موقفُه من الحكومةِ كلّها.
أصبحَ خبيرًا في نقدِ الأداء الوزاري، ومحلّلًا سياسيًا، ومصدرًا مطّلعًا على خفايا التعديل، فقط لأنَّ مزحةً ثقيلةً تحوّلتْ داخلَ رأسِه إلى مشروعِ حقيبةٍ وزارية.
وهكذا، قد تبدأُ بعضُ المعارضاتِ السياسيةِ من لعبةِ شدّة، ومن خبرٍ كتبهُ صديقٌ على سبيلِ المزاح، ثم صدّقهُ صاحبُه أكثرَ ممّا ينبغي.
المشكلةُ ليستْ في المواقعِ الإلكترونية، ولا في المزاح، بل في أولئك الذين يعيشونَ مستعدّين نفسيًا لأيِّ منصب، حتى لو جاءَهم عبرَ منشورٍ عابرٍ بينَ إعلانِ وفاةٍ وخبرِ طقس.
بعضُ الناسِ لا يريدُ الوزارةَ ليخدم، بل ليشعرَ أنَّهُ أصبحَ شيئًا.
وحينَ تضيعُ منهُ الحقيبةُ الوهمية، يتحوّلُ فجأةً إلى معارضٍ شرس، ويبدأُ بإقناعِ نفسِه أنَّ الوطنَ خسرَ عبقريتَهُ النادرة.
بينما الحقيقةُ أبسطُ من كلِّ ذلك:
كانَ الرجلُ قبلَ أسبوعٍ يبحثُ عن الجوكر في لعبةِ الشدّة…
ثم استيقظَ ذاتَ صباحٍ يبحثُ عن وزارة.

