حين تتحول الديون لقدر معيشي: 53% من العاملين في الأردن يقل دخلهم عن 500 دينار شهريا
البطالة وتراجع الدخل يدفعان الأردنيين نحو الاقتراض
72% من المتقاعدين يتقاضون أقل من 500 دينار شهريا
681 ألف متقاعد ودخول محدودة تزيد الضغوط
صراحة نيوز – احمد ايهاب سلامة
لم يعد الاقتراض في الأردن خيارا ماليا مرتبطا بتحسين مستوى المعيشة أو تمويل مشاريع إنتاجية، بل تحول لدى شريحة واسعة من المواطنين إلى وسيلة اضطرارية للبقاء ومواجهة أعباء الحياة اليومية المتفاقمة، فالسواد الأعظم من الأردنيين يرزح اليوم تحت وطأة القروض وديون شركات التمويل، التي ما إن يوقع المقترض على التزاماته معها حتى يجد نفسه أسيرا لأقساط وفوائد تمتد لسنوات طويلة وقد تبتلع جزءا كبيرا من دخله المحدود.
الأزمة لم تعد مرتبطة بقرض عابر أو التزام مؤقت، لكنها أصبحت حلقة مفرغة، قرض لسداد التزامات سابقة وجدولة لقرض بآخر ومحاولات متكررة للهروب من ضائقة مالية لا تلبث أن تعود بصورة أشد قسوة وما يبدأ غالبا كحل سريع لمأزق معيشي، ينتهي في كثير من الحالات إلى مأزق مزمن يرافق الإنسان معظم سنوات عمره.
تقارير ودراسات سابقة، بينها تصنيفات صادرة عن اتحاد المصارف العربية، وضعت الأردنيين ضمن أكثر الشعوب العربية اقتراضا مقارنة بمستويات دخولهم السنوية والتزاماتهم المالية وهو مؤشر لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد رقم اقتصادي، انما بوصفه إنذارا اجتماعيا ومعيشيا يستوجب قراءة عميقة من صناع القرار، لما يحمله من تداعيات تمس الاستقرار الأسري والاقتصادي على حد سواء.
واللافت أن معظم القروض التي تثقل كاهل الأردنيين، سواء كانت شخصية أو سكنية أو مخصصة لشراء المركبات أو السلع الاستهلاكية أو حتى للإنفاق على التعليم والعلاج، لم تنعكس بصورة إيجابية على قدرتهم الاقتصادية أو مستوى معيشتهم ولم تتحول في الغالب إلى استثمارات إنتاجية تدر دخلا مستقبليا أو تخفف من أعباء الحياة لاحقا
على العكس من ذلك، أسهمت هذه القروض في تعميق الأزمة المالية للأسر، لأن الاقتراض في جوهره يعني اقتطاع جزء ثابت من دخل المقترض، وهو دخل يعاني أصلا من محدودية القدرة على تغطية متطلبات الحياة الأساسية ومع تراجع القوة الشرائية وارتفاع كلف المعيشة، يصبح الراتب غير كاف فيلجأ المواطن إلى الاقتراض مجددا، لتتكرس دائرة الاستنزاف المالي ويغدو دخله الشهري مرهونا للأقساط والفوائد.
والأخطر من ذلك، أن الفوائد المرتفعة في بعض حالات التمويل تجعل الكلفة النهائية للقرض تقترب أو تعادل أصل المبلغ المقترض نفسه، ما يضاعف العبء ويطيل أمد الارتهان المالي ويدفع كثيرين إلى الشعور بأنهم لا يسددون دينا بقدر ما يعيشون داخل نظام لا يسمح لهم بالخروج منه بسهولة.
هذه الظاهرة لا يمكن اختزالها في سوء إدارة فردية أو ضعف ثقافة مالية لدى المواطنين فحسب، انما ترتبط أيضا بظروف اقتصادية ضاغطة وبسوق عمل محدود وارتفاع متواصل في تكاليف المعيشة وتراجع قدرة الدخول على ملاحقة الاحتياجات الأساسية، فحين يصبح الاقتراض وسيلة لتأمين التعليم أو العلاج أو مستلزمات الحياة اليومية فإن القضية تتجاوز الحسابات البنكية لتصبح سؤالا مباشرا عن السياسات الاقتصادية وجدواها الاجتماعية.
إن استمرار تنامي القروض الاستهلاكية بهذا الشكل يستدعي مراجعة جادة، ليس فقط لضبط أدوات الإقراض وشركات التمويل وأسقف فوائدها، بل أيضا لإعادة النظر في البيئة الاقتصادية التي تدفع المواطن نحو الاستدانة بوصفها آخر الخيارات لا أولها، فالمجتمعات لا تنهكها الديون وحدها، إنما ينهكها شعور المواطن بأنهم يعملون طوال أعمارهم لسداد التزامات لا تنتهي.
..
الخزاعي: تدني الدخل والبطالة وتآكل الطبقة الوسطى أبرز أسباب لجوء الأردنيين إلى القروض
قال أخصائي علم الاجتماع الدكتور حسين الخزاعي إن تدني الدخل وارتفاع معدلات البطالة، إلى جانب تآكل الطبقة الوسطى، تشكل الأسباب الرئيسية وراء لجوء نحو 1.6 مليون أردني إلى الاقتراض من البنوك، بإجمالي ديون يصل إلى 14 مليار دينار أردني، عدا عن الديون غير الرسمية بين الأصدقاء والمعارف والأقارب.
وأوضح الخزاعي في تصريح خاص
لـ”صراحة نيوز” أن انخفاض مستويات الدخل في الأردن، خصوصا بين الفئات المتعلمة التي تعاني من البطالة، أسهم بشكل مباشر في زيادة الاعتماد على القروض لتلبية الاحتياجات الأساسية.
وأشار إلى أن 53% من القوى العاملة الأردنية يقل دخلها الشهري عن 500 دينار، ما يعكس، بحسب وصفه، تراجع قدرة الطبقة الوسطى على تحقيق الاكتفاء الذاتي والوفاء بمتطلبات الحياة اليومية.
وأضاف أن آخر التقارير المتوفرة أظهرت أن الطبقة الوسطى كانت تشكل نحو 28% من المجتمع الأردني عام 2014، لافتا إلى غياب بيانات حديثة توضح حجم هذه الطبقة حاليا وهو ما اعتبره “مؤشرا خطيرا” على استمرار تآكلها.
وفي السياق ذاته، أكد الخزاعي أن ارتفاع أعداد المتقاعدين وتدني دخولهم يعدان من العوامل التي تدفع مزيدا من الأردنيين نحو الاقتراض، مبينا أن عدد المتقاعدين في الأردن يبلغ 681 ألفا و497 متقاعدا، منهم 405 آلاف و524 متقاعد ضمان اجتماعي، و275 ألفا و973 متقاعدا من الجهاز المدني.
وبين أن نحو 72% من المتقاعدين يتقاضون رواتب تقاعدية تقل عن 500 دينار شهريا، فيما تبلغ نسبة من تقل رواتبهم عن 200 دينار نحو 8.9%، بينما تصل نسبة المتقاعدين الذين تقع رواتبهم ضمن الحد الأدنى للأجور أو أقل إلى 42%.
وأشار الخزاعي إلى أن وجود هذه الأعداد الكبيرة من المتقاعدين ذوي الدخل المحدود يفاقم من تآكل الطبقة الوسطى، ويحد من قدرة الأسر على تقديم الدعم المالي للأبناء أو مساعدة أفرادها المحتاجين، الأمر الذي يعزز الاعتماد على القروض كحل لتجاوز الضغوط الاقتصادية والمعيشية.

