التاريخ مثل البصل.. كلما قشّرته وفسّرته بكيت أكثر.. هل يفهم “العناني”

2 د للقراءة
2 د للقراءة
التاريخ مثل البصل.. كلما قشّرته وفسّرته بكيت أكثر.. هل يفهم "العناني"

صراحة نيوز – بقلم نيفين العياصرة

استيقظت اليوم جاي على بالي سلطة فلاحية ببصل أخضر، عملت القهوة وكنت مفكرة أن أصعب قرارات الصباح اعملها مع بصل أخضر ولا احمر، لكن فجأة وجدت حالي أفكر… من أول إنسان زرع البصل ؟ ومن أي حقبة جاء هذا الطعم اللاذع اللذيذ الذي يدخل بكل طبخة تقريباً ويجعل الناس تبكي منذ آلاف السنين؟.

بصراحة، منذ عقود وأنا آكل البصل ، أخضر، يابس، مقلي، داخل السلطة، فوق المجدرة،مع الفول ولبن القطيع، ومع كل وجبة تجده موجود، لكن لم يخطر ببالي مرة أن أسأل عن تاريخه، يبدو أننا نستهلك أشياء كثيرة يومياً دون أن نسأل من أين جاءت وكيف وصلت إلينا، وهذا يتطلب وعي وبحث حول التاريخ لكل شيء.

بحثت قليلاً، فاكتشفت أن البصل أقدم مما توقعت بكثير، أقدم من حضارات وشاهد على كثير من الصراعات، أقدم من حدود وقيود ، وحتى أقدم من الكتابة نفسها، يعني باختصار. البصل كان موجوداً قبل أن يقرر البشر توثيق كثير من قصصهم.

وهنا دخلت بالمشكلة الحقيقية.. التاريخ.. التاريخ لا يعطيك إجابات سهلة،كلما فتحت باباً فتح لك أبواباً أخرى، وكلما عدت للخلف، اكتشفت أن الخلف أبعد مما كنت تتصور، والتاريخ مثل البصل تماما كلما قشّرته وفسّرته بكيت أكثر ؛ لأن كل طبقة تحمل رواية، وكل رواية تحمل خلافاً، وكل تفسير يفتح عشرة تفسيرات أخرى.

الأطرف أنني جلست أفكر.. نحن لا نسأل عن تاريخ البصل رغم أنه موجود على موائدنا يومياً، لكننا فجأة نصبح خبراء بتاريخ كل شيء عندما يشتعل الجدل، نختار طبقة واحدة من القصة ونتمسك بها ونسردها وكأنها حقيقة مثبته ، رغم أن الحكايات الكبيرة لا تفهم من طبقة واحدة، وفي التاريخ قصص لا ترحم وكلمات لم تقال وحدود فرضتها سكاكين السياسة، وأخرى اقتلعتها سكاكين الكرامة، مع ذلك التاريخ لذيذ وفيه أجدادنا وتراثنا ومعارك خضناها وكرامة رسمناها.

المهم… بردت القهوة، وتأخر الفطور وتحول البصل الأخضر من رغبة صباحية إلى رحلة طويلة في التاريخ.

واكتشفت أخيراً أن أخطر شيء في البصل ليس أنه يجعلك تبكي أثناء تقطيعه… بل أنه إذا قررت فهم تاريخه، قد تبقى تقشّر طويلاً… وتبكي كثيرا..

Share This Article