صراحة نيوز- بقلم : د. ثابت المومني
وصف الله سبحانه وتعالى هذه الأمة بقوله الكريم ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ لكن الله عز وجل لم يمنح هذه الخيرية على سبيل الامتياز الدائم أو الانتماء المجرد بل ربطها بأسباب واضحة ومحددة حين قال ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ فإذا ضاعت هذه الصفات ضاع معها سبب الخيرية وأصبحت الأمة بعيدة عن المنزلة التي أرادها الله لها.
لقد أصبح كثير من الناس اليوم يخشون قول كلمة الحق أكثر مما يخشون الباطل نفسه وأصبح بعضهم يصفق للخطأ إذا صدر من صاحب نفوذ أو منصب ويسكت عن الظلم إذا كان المنتفع منه قويًا ويبرر المنكر إذا وافق مصلحة أو هوى وانتشر التزلف حتى أصبح عند البعض طريقًا للمكاسب وانتشر النفاق حتى ظنه البعض ذكاءً وحسن تدبير وأصبح الكذب يلبس ثوب الحكمة بينما تُحارب الصراحة ويُضيق على أصحاب الكلمة الحرة.
لقد فهم السلف الصالح أن خيرية هذه الأمة ليست بالاسم ولا بالشعار ولا بكثرة العدد وإنما بالقيام برسالتها التي كلفها الله بها فكانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقفون في وجه الخطأ والانحراف والظلم وكانوا يعلمون أن السكوت عن الباطل مشاركة فيه وأن الرضا بالمنكر إعانة عليه وأن الأمة التي تتخلى عن واجبها الأخلاقي والديني تفقد أسباب قوتها ومكانتها وهيبتها بين الأمم.
أما اليوم فقد أصبح المنكر يُرى فلا يُنكر والكذب يُسمع فلا يُرد والفساد يُشاهد فلا يُفضح بل إن بعض الناس يهاجمون من يقول الحقيقة أكثر مما يهاجمون من يرتكب الخطأ نفسه وأصبح صاحب المبدأ متهمًا ومزعجًا للبعض بينما يُقدَّم المنافق والمتلون على أنه صاحب حكمة واتزان حتى اختلطت الموازين عند كثير من الناس وأصبح الحق غريبًا في بعض المواطن.
إن الآية الكريمة لم تقل إن هذه الأمة خير أمة لأنها أغنى الأمم أو أقواها أو أكثرها عددًا بل جعلت معيار الخيرية واضحًا لا لبس فيه تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله فإذا تخلينا عن هذه القيم فما الذي يبقى من أسباب الخيرية وكيف نطالب بمكانة عظيمة ونحن نهجر الأسباب التي أوصلتنا إليها.
لن تعود الأمة إلى مكانتها الحقيقية بالخطب الرنانة والشعارات البراقة ولن تعود بالمجاملات والتبريرات والصمت عن الأخطاء وإنما تعود عندما يعود الصدق إلى الألسنة والعدل إلى المواقف والشجاعة إلى النفوس وكلمة الحق إلى مكانها الطبيعي فعندما نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر بالحكمة والعدل والإخلاص نكون قد بدأنا الطريق الصحيح نحو استعادة ما فقدناه من مكانة وقوة وهيبة.
إن مشكلتنا اليوم ليست في قلة الموارد ولا في قلة الإمكانات ولا في قلة الشعارات وإنما في أننا ابتعدنا عن كثير من القيم التي جعلتنا يومًا خير أمة أُخرجت للناس ولذلك فإن العودة إلى تلك المنزلة لا تكون بالأمنيات بل بالعودة إلى الحق والصدق والأمانة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾.
فهل نراجع أنفسنا ونعود إلى أسباب الخيرية أم نستمر في الابتعاد عنها ثم نتساءل لماذا فقدنا مكانتنا!!!.

