صِيام يوم عَرفة .. بين الصِحّة .. والبِدعة

8 د للقراءة
8 د للقراءة
صِيام يوم عَرفة .. بين الصِحّة .. والبِدعة

صراحة نيوز – عوض ضيف الله الملاحمة

لا أحبّ ان يُساء الى الإسلام ، ولا الى أي دين خاصة الأديان السماوية ، وذلك التزاماً بما قاله ربّ العزة سبحانه وتعالى ، حيث يقول في محكم التنزيل ، بعد بسم الله الرحمن الرحيم (( لكم دينكم ولي دين )) سورة الكافرون آية رقم ( ٦ ) .

وأشعر بالإستياء عندما يتم ( التقوّل ) على الإسلام العظيم وتحمليه ما لا يُحتمل ، من منطلق المبالغة ، والتشدد ، والتغوّل ، والتقوّل . أشعر وكأنهم يزاودون على عطاء رب العباد وتسامحه مع عباده . معتقدين ( جهلاً ) بأن ذهابهم الى التشدد ( يخدم ) الإسلام ، ولا يعلمون انهم ( يسيئون ) اليه .

يوم عرفة كان قبل أيام ، وما قيل فيه هو الذي دفعني لكتابة هذا المقال ، الذي لم يخطر لي على بال . عادة لا يجرؤ أحداً على التطرق للدين خوفاً ورعباً . والحمد لله انني لست ممن يخافون ، لأن ديني يهمني أكثر من الكثيرين الذين يسترزقون منه .

كافة رجال الدين الذين إستمعت إليهم قبل ايام ، والذين سمعتهم منذ عقود طويلة ، وهم يحثون الناس ويشجعونهم على صيام يوم عرفة ويقولون : (( ان صيام يوم عرفة يغفر ذنوب السنة التي تم فيها صيام عرفة ، بالإضافة الى غفران ذنوب السنة القادمة . ولم يحددوا أنوع الذنوب التي تُغفر ؟ وهل من المنطق ان يغفر ربُّ العباد لعباده ذنوباً لم يرتكبوها ، وهل هي من (( الذنوب اللّمم )) ، وهل يشمل الغفران الكبائر ؟

جميعهم يستندون الى حديثٍ منسوبًٍ الى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلّم ، والذي نصه (( صيام يوم عرفة ، أحتسب على الله ان يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده )) . وثبت هذا في صحيح مسلم عن أبي قتادة رضي الله عنه . لكن بعض العلماء كالإمام البخاري ، وإبن حجر العسقلاني ، أبديا خلافاً في صِحة إسناد حديث مسلم من حيث الإتصال . وثبت في الصحيحين ان النبي صلّى الله عليه وسلّم أفطر يوم عرفة في حُجة الوداع . حيث أتى بقدحٍ فيه لبن وشرِب وهو واقف على بعيره ليراه الناس . واستدل بعض العلماء بحديث أبي هريرة رضي الله عنه ، ان النبي صلى الله عليه وسلّم ( نهى ) عن صوم يوم عرفة بعرفة . وتتفق المذاهب الفقهية الأربعة على ان صيام يوم عرفة لغير الحجاج (( مُستحب )) . ويقول بعض العلماء ان صيامه (( إختياري )) عند المسلمين .

هناك جدلٌ موسمي حول صيام يوم عرفة . لكن الأهم بالنسبة لي يتمثل في (( مدى صِحة غفران ذنوب السنة التي قبله والسنة التي بعده )) . بهذا الجزاء الجزل هل يعتبر صيام يوم عرفة — صيام يومٍ واحدٍ — أهم من صيام ( شهر ) رمضان المبارك ؟

ثم أجد انه من الضروري ان أتطرق الى صيام (( العشرة البيض )) من شهر شوال . حيث ان الدارج بين الناس ان صيام العشرة البيض من شهر شوال كصيام سنة كاملة .

وهنا من الضروري ولغاية المقارنة ان أتحدث عن صيام شهر رمضان المبارك . عن أبي هريرة رضي الله عنه ، ان النبي صلى الله عليه وسلّم ، قال : (( من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه )) . وقيل عن أبي هريرة ان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال : (( قال الله عز وجل : كل عمل إبن آدم له إلا الصيام ، فإنه لي وأنا أجزي به )) .

علماؤنا وضعونا في ورطة ، وجعلوا الأمر مُلتبس ، واجتهاداتهم التي أراها غير منطقية ، بل متضاربة أحياناً أبعدتنا عن فهم جوهر ديننا الحنيف العظيم .

هل يُعقل ان يجزي رب العباد المسلم الذي يصوم يوم عرفة بأكثر مما يُجزي عن صام شهر رمضان كاملاً !؟ كيف يستقيم هذا من ربنا العدل العظيم ؟

روى البخاري ومسلم عن أُم الفضل بنت الحارث رضي الله عنها ، أنها قالت : (( شكَّ الناس في صيام سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم يوم عرفة ، فبعثت اليه بقدحِ لبنٍ فشرِبه والناس ينظرون )).

للتوضيح : انا لا أُفتي ، ولا أتجرأ على ديننا الحنيف العظيم مطلقاً ، لكنني أطرح أسئلة تبحث عن إجابات صحيحة وأكيدة لتوضيح تلك الحقائق .

خاصة وان هناك بعض شيوخ الدين يعتبرون صيام يوم عرفة (( بدعة )) ، نعم يعتبرونه بدعة ، حسب توصيفاتهم ، ويؤكدون انه لم يثبت فيه حديثاً صحيحاً .

صيام يوم عرفة لم يثبت فيه حديثاً صحيحاً . الحديث الذي اعتمد عليه القائلون بالحث على الصيام اخرجه الإمام مسلم ، (وعلّه ) الإمام البخاري ( بالإنقطاع ) لأن عبد الإله بن معبد الزلماني لم يسمعه من أبي قتادة ، لهذا لا يصح الحديث وهناك ((عللاً في متن الحديث وسنده )) . فعندما تقول من صام يوم عرفه غُفِر له سنتين السنة الماضية والسنة القادمة ، وعندما نأتي الى صيام رمضان ( ٣٠ ) يوماً ، ومع ذلك لم يأتِ فيه من الفضل الا غفران ما تقدم من الذنوب ، ولم يأتِ فيه غفران ما يُستقبل من الذنوب .

كون الحديث وارد في صحيح البخاري ، لا يعني صحته ، لأن البخاري يقول ان الحديث (( معلول )) ، وان هذا الحديث(( منقطع ))، لأن عبدالله لم يسمع من أبي قتادة . فهناك (( خلل في سند الحديث لانه منقطع )) ، وهناك (( خلل في المتن لان مضمون الحديث غير منطقي )) : كيف اصوم يوماً ويُغفر لي ذنوب سنة ماضية وسنة قادمة ؟ وهذا الفضل لم يحصل عليه من يصوم شهر رمضان وهو الأولى بهذا الغفران العظيم .

كما يقول البعض ان الإمام مسلم صححه ، ولماذا لم يصححه البخاري ، والإمام مسلم هو تلميذ البخاري ، وهل تَنْقُص الإمام البخاري القدرة على تصحيحه ؟ ولماذا طعن في سند الحديث ومتنه ؟

المشكلة ليست في صيام يوم عرفة ، لكن المشكلة في تكفير الذنوب ، سنة ماضية وسنة آتية ، وهل هذا منطقي ؟

يبدو ان الغاية انهم يحببوا الناس في الدين والسُّنة ، لكنني ارى ان النتيجة غير ذلك .

الكثير ممن يتصدرون الفتوى ، يشطحون أحياناً ويدخلون في دهاليز اللامنطق ، إما جهلاً ، او حُباً في الظهور . فقد ظهروا علينا في ( إرضاع الكبير ) ، وإعتبار البنوك التجارية بنوكاً ربوية ، ثم عدلوا عن ربويتها ، وإعلان احدهم ان الإدغام او اللحن في الصلاة يُبطِل الصلاة ، وغير ذلك .

أنا أقول وأنا واثق بأن هذا تألٍ ، وتقوّل على الله سبحانه وتعالى .

وأختم :—
— بسم الله الرحمن الرحيم (( فمن أظلمُ ممن افترى على الله كذِباً ليُضلّ الناس بغيرِ عِلمٍ إن الله لا يهدي القوم الظالمين )) صدق الله العظيم ( الأنعام ١٤٤ ) .
— أبيات من قصيدة معاصرة تنتقد واقع الإفتاء وتراجع معايير العِلم الشرعي ، الشاعر غير معروف ، ربما خوفاً ، حيث يقول :—
كانت الفتوى بتقوى / صارت الفتوى كلاماً
دورةٌ في نصفِ شهرٍ / تجعلُ الغِرَّ إماما
كانت الفتوى لدينٍ / صارت الفتوى لدنيا
كُلما شاء فصيلٌ / جاد مولانا بِفُتْيا .

Share This Article