صراحة نيوز – د.عبدالله سرور الزعبي
في ليلةٍ أردنيةٍ طويلة، بدت أرواحُ كبار التعليم تُراجع ذاكرتها بصمتٍ موجع، كأنها تُنقّب في أرشيف وطنٍ خائفٍ على عقله. وقفت الجامعة الأردنية (وحديثي عن التعليم لا الجامعة الأم التي نفخر بها) في قلب العاصمة كشيخٍ حكيم يعرف الحقيقة منذ أكثر من ستة عقود، لكنه تعب من تكرارها. الأشجار التي زرعها الرواد ما تزال في أماكنها، والممرات ما تزال تحفظ وقع خطوات أجيالٍ ساهمت في بناء الدولة الحديثة، لكن شيئًا عميقًا في الروح تغيّر.
وفجأة، انشقّ صمت المكان، وخرجت من ذاكرة الجامعة روحان عظيمتان تمشيان ببطء بين الممرات القديمة، كأنهما لم تغادراها يومًا.
الأولى تحمل هيبة الدولة في زمنها الصعب؛ شيئًا من صلابة وصفي، وحزم هزاع، وثبات حابس. روح رجل دولة رأى في التعليم قضية بقاء وكرامة وطن. كانت تلك روح عبد السلام المجالي.
أما الثانية، فكانت روح حكيمٍ عاش للفكرة والعلم، روحًا هادئة تشبه أسدًا أردنيًا متعبًا؛ راقب طويلًا كيف يتشكّل العقل الوطني ثم يبدأ بالتآكل بصمت. لاشك أنها روح ناصر الدين الأسد.
توقفت روح المجالي وهي تتأمل أفق عمّان وقالت: أتذكر يا أبا البشر كيف لم تكن الجامعة مجرد مؤسسة تعليمية، بل كانت التعبير الأعمق عن فكرة الدولة الأردنية الحديثة؟ كانت تشبه الأردن في لحظة نهوضه الكبرى؛ قليلة الموارد، لكنها عظيمة الإيمان بالإنسان. يومها كانت الجامعة تُدار بالرؤية، وبالعقل، لا بالخوف وردود الأفعال. وكان الرئيس فيها رجل مشروع وطني، لا موظف إدارة؛ يُختار لحماية الفكرة وهيبة المعرفة. كانت الدولة ترى في استقلال العقل شرطًا لاستقلال الوطن، وكان القرار يبدأ من الجامعة وينتهي فيها.
ابتسمت روح الأسد وقالت بهدوء: نعم، كانت الجامعة مصنع الوعي الوطني. منها خرج الإداري الذي فهم أن الدولة أخلاق قبل أن تكون سلطة، والطبيب الذي حمل ضمير المهنة، والمعلم الذي أدرك خطورة بناء وعي الإنسان، والمهندس الذي رأى في التخطيط مسؤولية وطنية لا وظيفة عابرة. هنا تشكلت النخبة الحقيقية، لا نخبة الامتيازات. كنا نؤمن أن التعليم العالي مشروع سيادة؛ فالجيوش تحمي الحدود، أما التعليم فيحمي المستقبل.
أجابت روح المجالي: ولهذا كانت هيبة الأستاذ جزءًا من هيبة الدولة؛ يُعيَّن ويُرقّى بإرادة ملكية سامية ليدرك أن مهمته سامية. وكان الأستاذ يدخل قاعة المحاضرة كما يدخل القاضي منصة العدالة؛ علمًا ومسؤوليةً وضميرًا. وكانت الترقية معركة فكر حقيقية، والأعراف الأكاديمية كانت أحيانًا أقوى من الأنظمة، والسرقة العلمية سقوطًا أخلاقيًا ينهي المسيرة المهنية.
تنهدت روح الأسد وقالت: كان الطالب يعرف أن الوصول إلى الجامعة استحقاق يُنتزع بالاجتهاد. لذلك خرجت أطباء صنعوا نهضة، ومهندسين بنوا مدنًا، ومعلمين صنعوا أجيالًا عربية كاملة. يومها كانت سمعة الأستاذ الأردني تصل قبل جواز سفره.
ثم أضافت: لكن ما يؤلم، ليس تراجع الإمكانات فقط، بل تراجع الحكمة. أصبحنا نُغيّر القوانين كلما عجزنا عن إصلاح الواقع، وكأننا في كل مرة نعيد تجريب المجرّب، أو نحاول اختراع العجلة من جديد. لا أحد يسأل: هل المشكلة في النصوص أم في العقول التي تديرها؟ فالقوانين التي تُعدّل بلا فلسفة تتحول إلى ستارٍ يُخفي العجز، لا أداةً لصناعة الإصلاح.
ساد الصمت لحظات، قبل أن تقول روح المجالي بصوتٍ امتزج فيه الفخر بالألم: حين كانت الجامعة تبني العقل، كان الأردن يبني نفسه. كنا نختلف سياسيًا وفكريًا أحيانًا، لكننا لم نختلف يومًا على هيبة الجامعة، ولا نساوم على الجودة، لأننا فهمنا أن نهضة التعليم هي بداية نهضة الدولة نفسها.
نظرت روح الأسد نحو مباني الكليات القديمة وقالت: لكن الأزمة لم تبدأ حين ضعف التمويل فقط، بل حين ضعفت المعايير وانهارت فلسفة التعليم. فالدول لا تنهار أولًا في السياسة، بل حين تفقد قدرتها على إنتاج العقل. وحين تتحول الجامعات من مشروع حضاري إلى مؤسسات عبور جماعي، ويصبح الهدف تخريج أكبر عدد لا بناء أفضل عقل، يبدأ الانهيار الصامت.
سألت روح المجالي: وكيف تنهار السياسة دون أن يشعر أحد؟
فأجابت روح الأسد: السياسة، لا تضيع دفعةً واحدة، بل يتآكل مستقبلها حين تُقدَّم الطاعة على الكفاءة، وتصبح النزاهة قابلة للتفاوض، ويبدأ طرد أفضل العقول بصمت. عندها يبقى التعليم قائمًا، بينما يغيب المعنى الحقيقي له.
ثم أضافت بصوتٍ أكثر حدة: لقد أشار ابن خلدون، إلى أن من أسباب سقوط الأمم تقديم السفهاء وتأخير العلماء. وهل يمكن لمجتمع أن يحتفظ بتوازنه بينما يتصدر بعض الضعفاء منصة التعليم وقيادته وتوجيه الوعي فيه؟ إن البيئة التي تغيب فيها قيمة العقل، وتُزدرى فيها المعرفة، وتقصي الأقوياء والحكماء، لا تُنتج إلا أجيالًا تشبه من يقودها؛ أجيالًا تتقن التبعية أكثر مما تتقن التفكير.
وتابعت: لا تبحثوا فقط عن أسباب فشل إصلاح التعليم، بل ابحثوا عن آلات التحريف التي تُدار بها العقول؛ هناك حيث يصبح الضجيج بديلًا عن الفكر، والمظهر بديلًا عن القيمة، والتسويق بديلًا عن الإنجاز الحقيقي.
اقتربت الروحان من إحدى القاعات القديمة، وتوقفتا أمام صورة عبد الكريم خليفة.
قالت روح المجالي: كان رئيس الجامعة يومًا شخصية وطنية تُحترم حتى عند الاختلاف معه، لأن العمق والاستقلال الفكري ونظافة اليد كانت جزءًا من معنى القيادة. انظر يا أبا البشر إلى هذه القامة الوطنية، آمن أن الدولة تُبنى بالإدارة والهوية والتعليم وإنتاج النخبة، وهو رمز التعريب والنهضة اللغوية، ومؤسس مجمع اللغة العربية.
ثم سألت: وماذا عن اللغة والبحث العلمي يا شيخ اللغة؟
تنهدت روح خليفة كأنها خارجة من تعب السنين، وقالت: لا نهضة بلا لغة، ولا جامعة بلا بحث. لكن البحث العلمي عند كثيرين تحوّل من مشروع معرفة إلى إجراء بيروقراطي للترقية، وأصبحت الأبحاث أوراقًا تُنتج عددًا لا معرفة، فأفقدت العلم روحه.
صمت قليلًا وأضاف بأسى: استميحكم عذرًا، اتركوني مع كتبي، أبحث بين سطورها عن السكينة والسلام.
وقبل أن يكتمل الصمت، ظهرت روح عبد الكريم الغرايبة، تلك التي تحمل ملامح شيخٍ معلّم، يحمل صلابة قلاع الأردن التاريخية، سلاحه منهج علمي دقيق، ولا يخلو حديثه من دعابة وصراحة معهودة منه.
اقتربت وقالت: أيها الكبار، ما زلتما تصفان الأزمة بلغة مهذبة أكثر مما ينبغي، عندما نُنفق على تلميع الصورة أكثر مما ننفق على عقل الطالب، وعلى المؤتمرات لإنتاج الصور الجماعية، والأبحاث التي لا يقرأها أحد؛ أكثر مما ننفق على التأليف والتدريب والبحث الجاد، ونعتبر قيادة العملية التعليمية، مثل إدارة الشركات أو الدوائر الأخرى، هذا ليس مجرد تراجع، بل إعادة إنتاج منظّمة للضعف.
صمتت قليلًا قبل أن تضيف بمرارة: هل تعلمون أن بعض من جلس على كراسي سدة الرئاسة (أقصد كراسي الرئاسة أو الأستاذية في الجامعات لا جامعة بعينها)، كان يدفع باتجاه تمرير ترقيات على بحوثٍ لا وجود لها؟ كيف لا، وبعضهم يتزيّا بلباس الثقافة والأدب، ثم يشتكي الاستهداف أو التجاهل؟ عندها يكون الخطر الحقيقي، ليس في أن نخسر جيلًا، بل أن نخسر معنى الجدارة نفسه.
ثم التفتت نحو روحي المجالي والأسد وقالت: وأخطر ما في الأمر أن المجتمعات الأكاديمية، حين تعتاد الصمت عن مثل هذه الحالات، تفقد تدريجيًا شجاعة المواجهة الصادقة. وحين يصبح قبول مثل هذه التجاوزات أمرًا مألوفًا، يتحول قول الحقيقة إلى فعلٍ مزعج، ويُنظر إلى صاحب الموقف الصادق، وكأنه سبب المشكلة، والمعيق للإصلاح، لا إلى الخلل نفسه.
ابتسمت روحا المجالي والأسد وكأنهما تظنانها واحدةً من دعابات الغرايبة، لكن روحه انتفضت وقالت: هيا لنحلّق في ربوع الوطن، لنشاهد أكثر.
حلّقت الأرواح فوق عمّان، فرأت آلاف الخريجين، وقلة من المنتجين، وجامعاتٍ تزداد عددًا فيما تتراجع الروح المعرفية.
قالت روح الغرايبة: هل تعلم يا أبا البشر أن مكتبك، الذي كان يومًا عقل التعليم ومركز التخطيط له، تحوّل في بعض السنوات إلى منصة للتحريض وتشويه الحقائق واغتيال القيادات الأكاديمية؟ وأن بعض القرارات أُديرت بمنطق العلاقات لا المصلحة الوطنية؟ بل إن البعض انشغلوا بالتحايل على أموال صندوق دعم البحث العلمي، لا بل طالبوا بمنح رتب أكاديمية بأثر رجعي، والتساهل مع سارقي البحوث، ولا يغرنك فيهم وقار المظهر، وحسن اللسان، لا بل فالبعض سبق وأن عجز عن إدارة مشروع صغير، ثم جلس لإدارة بعض الجامعات ومن المتصدرين في التخطيط لمستقبل التعليم.
وتابعت روح الغرايبة: انظروا إلى البعض؛ كيف سبق وأن قُيم؟ تحصيل متواضع، وبصمة بحثية غائبة أو مستلة، وضحالة في الفكر، وغياب في المبادرة، وضعف في الكفاءة، وافتقار لمهارات التواصل. بربكم، هل كنتم تسمحون لمثل هؤلاء بالاقتراب من أسوار الجامعة؟ لو كنتم كمثل بعض من يقود اليوم، لما حقق الأردن نهضته التعليمية عبر العقود الماضية.
أجابت الأرواح بصوتٍ واحد: يا أبا الرائد، ما زلت تحب الخروج عن النص.
تنهدت روح الغرايبة وقالت: ليتها مداعبة. عودوا إلى الملفات تجدوا التوثيق. إنها السيولة التعليمية التي حذرتكم منها؛ غياب الكفاءة، والرضا بالطاعة، والانقياد لرغبات المجتمع، وتسليع التعليم، فأصبحت القرارات تُرهق الدولة قبل الجامعات. انظروا إلى المعايير التي أصبحت قابلة للتمدد والتفاوض، وإلى القبولات التي تفوق الطاقة، حتى في تخصص الطب.
هنا ارتبكت روح المجالي وقالت بقلق الطبيب: وهل وصلت السيولة إلى القبولات في الطب؟ فالطب لا يحتمل الخطأ، وكنا لا نسأل كم طالبًا قُبل، بل: هل نملك القدرة على تدريبه؟
أجابت روح الأسد: حين تُفرَّغ أدوات الرقابة من قدرتها على الاعتراض، ويصبح البحث العلمي قابلًا للتحايل والبيع، وتصبح النزاهة قابلة للتفاوض، لا يعود الخلل تقنيًا، بل يصبح بنيويًا.
ثم تابعت بحزن: الكارثة أن الناس لم يعودوا يسألون: لماذا تراجع التعليم؟ بل: كيف نتعايش مع تراجعه؟
قالت روح المجالي بمرارة: إن أبرز علامات فشل الإصلاح أن تبقى بعض الوجوه ذاتها المتورطة في إيصال المجتمع إلى ما وصل إليه، أو أن تُستبدل بمن هم أضعف، دون مساءلة حقيقية. فالإصلاح الذي لا يراجع أخطاءه محكومٌ بإعادة إنتاجها.
وتابعت: المجتمعات التي تُطيل التعايش مع الخلل تفقد تدريجيًا حساسيتها تجاهه، حتى يصبح التراجع مألوفًا، ويغدو الدفاع عن المعايير نوعًا من التشدّد أو التعقيد.
بألم شديد، تابعت روح الغرايبة: ليتني لم أشهد هذه السيولة التعليمية. اعذروني يا حراس الفكرة والنهضة، أودّ أن أعود إلى سكينتي، على أمل أن نلتقي في رحاب الخلود لنُكمل حديث إصلاح التعليم، الذي قد لا يكتمل.
ساد الصمت مجددًا، قبل أن يرتفع صوتٌ من بعيد كأنه قادم من ذاكرة الدولة نفسها: في نهاية الخمسينيات، كان الأردن يعيش مرحلة شديدة الحساسية: صراعات إقليمية، انقلابات عربية، ضغوط اقتصادية، وحاجة دائمة لبناء الجيش والدولة. وفي تلك اللحظة برزت نخبة سياسية وعسكرية وفكرية استثنائية آمنت أن بقاء الأردن لا يتحقق بالسلاح وحده، بل بإنتاج النخبة والعقل والمعرفة.
وتابعت: الأزمة ليست في الجامعات وحدها، بل في تراجع النخب التي كانت تمنح الدولة معناها.
التفتت الأرواح، فإذا بروح سمير الرفاعي، روح من حولت رؤية الملك العظيمة إلى مشروع دولة فعلي، تقترب بهدوء.
وقالت: حين ائتمنني المغفور له الحسين بن طلال على تأسيس الجامعة الأردنية، لم نكن نبني مؤسسة تعليمية فحسب، بل كنا نبني عقل الدولة. كنا نخشى الفشل لأن الرؤية كانت أكبر منا جميعًا، لكن الدولة يومها امتلكت مؤسسات تعرف معنى الهيبة، ورجالًا يدركون أن الجامعة ليست كأي دائرة حكومية، بل مصنع السيادة الفكرية للأمة. كان وصفي، يرى أن الدولة الصغيرة المحاطة بالعواصف لا تنجو إلا بالكفاءة والانضباط والتعليم، وكان يؤمن بفكرة الدولة المنتجة، لا الدولة المستهلكة، وحابس، الذي فاجأ وفدًا بريطانيًا، بطلب غير متوقع: لا نريد سلاحًا إضافيًا، نريد جامعة لأبنائنا، كما أمر الملك. هذه اللحظة تحمل دلالة عميقة جدًا في تاريخ الدولة الأردنية؛ إذ إن المؤسسة العسكرية نفسها أدركت أن الأمن الحقيقي لا يُصنع بالبندقية فقط، بل ببناء طبقة متعلمة قادرة على إدارة الدولة الحديثة، وكان هناك غيرهم من الرجالات الكبار كسعيد المفتي، وبهجت التلهوني، وقدري طوقان، وآخرين لا تحضرني أسماؤهم. فكانت الجامعة الأردنية، نقطة انعطاف مفصلية في تاريخ الأردن. وضعنا قواعد لجامعة قوية، قائمة على الحرية والاستقلالية، وبعيدة عن كل التجاذبات السياسية والاجتماعية. وكان المغفور له الحسين بن طلال، يرعاها شخصيًا، ويعتبرها أهم أعمدة بناء الأردن الحديث.
ثم أضافت: الأردن لا يواجه أزمة جامعات فقط، بل أزمة في فلسفة التعليم ذاتها. والسؤال ليس كم جامعة نملك؟ بل: هل الجامعات ما تزال فضاءً للحقيقة والحرية وإنتاج العقل، أم تحولت إلى جهاز إداري خاضع لمنطق التكيّف والترضيات؟ فحين يُختزل العلم في الإجراء، يبدأ سقوط المعنى كله.
أجابت روح المجالي: التعليم قضية سيادة وطنية. الجامعة حين تُدار كمشروع معرفة، تُنتج دولةً أكثر قوة وعدالة. أما حين تفشل، فلا يسقط التعليم وحده، بل يتآكل رأس المال البشري كله، وتبدأ الأمة بخسارة مستقبلها بصمت.
عندها تحدثت روح الرفاعي بصوتٍ بدا كأنه يخرج من عمق التجربة التاريخية: هنا يتحدد الخيار الإستراتيجي: هل نريد دولة إنتاج تبني إنسانًا قادرًا على المنافسة والإبداع، أم دولة استيعاب تدير الأرقام والازدحام؟ الدولة المنتجة تسأل: ماذا نُتقن؟ أما دولة الاستيعاب فتسأل: كم نُدخل؟ وبين السؤالين يضيع المستقبل بهدوء.
ثم تابعت: الدول لا تُهزم عند الحدود فقط، بل حين يُهان العلم، ويصمت العقل، ويصبح القبول بالأمر الواقع جزءًا مألوفًا من الحياة العامة.
اقتربت الأرواح من بعضها، وقالت بصوتٍ واحد: حين كانت الجامعة قوية، كان الأردن أقوى؛ أكثر عدالة، وأكثر قدرةً على صناعة مستقبله. كم نحن بحاجة إلى مشروع وطني يعيد للجامعات معناها؛ مشروع يقوده رجال يؤمنون بالكفاءة والنزاهة والاستقلال، لا بعقلية التسيير وإطفاء الحرائق.
ثم نطقت روحا المجالي والأسد معًا: لله درّك أبا زيد، كنت مؤتمنًا على الفكرة كما كنت مؤتمنًا على مؤسسات الدولة، فسلامٌ على روحك في الخالدين.
ساد الصمت طويلًا، قبل أن تقول روح المجالي: على الرغم من السيولة التعليمية، التي أخشى أن تتحول إلى حالة ذهنية وأخلاقية عامة، لكن ما يزال الأردن يملك فرصة، لأن هناك رؤية سامية، تدرك خطورة اللحظة.
فأجابت روح الأسد بصوتٍ بدا كأنه وصية أخيرة: لكن الرؤية وحدها لا تكفي إذا بقيت المؤسسات التعليمية تُقاد بعقليات إدارية. لا يمكن بناء دولة حديثة بعقلٍ يخاف من الكفاءة. وقد أخطأنا حين ظننا أن التوسع في الكم يعني نهضة؛ فالكثرة بلا جودة ليست نهضة، بل تضخمًا.
وتابعت: لقد كان الغرايبة سابقًا لعصره حين حذرنا من التضخم في التعليم قبل أكثر من ثلاثة عقود.
بدأت الأرواح تنسحب بهدوءٍ مهيب، عائدةً إلى سكينةٍ تشبه طمأنينة من أدّى رسالته وغادر مطمئن الضمير. لكن سؤالها ظلّ معلّقًا فوق سماء عمّان: هل ما يزال بينكم من يؤمن أن بناء الإنسان والعقل هو أسمى أشكال السيادة وأعمق ركائز الدولة؟
ثم عادت المدينة إلى صمتها الثقيل قبيل الفجر، فيما بقي كثيرٌ من مدّعي إصلاح التعليم غارقين في سباتهم الطويل، وكأن هذا القطاع الحيوي ما يزال ينتظر من يوقظه من جديد.
ويبقى الأمل حاضرًا ما دامت هناك إرادة تؤمن بأن مستقبل الدول يُصاغ في الوعي قبل القرارات، وفي التعليم قبل السياسة، وفي الإنسان قبل كل شيء. فالملك والملكة وولي العهد ينظرون إلى التعليم بوصفه جوهر مشروع الدولة الحديثة، والطريق الأعمق لاستعادة قوة المؤسسات، وإنتاج المعرفة، وبناء مجتمعٍ قادر على فهم العالم لا مجرد العيش فيه.

