صراحة نيوز- بقلم المهندس سمير سليمان
التنمية الريفية في الأردن لم تعد ترتبط فقط بزيادة الإنتاج الزراعي، بل أصبحت تشمل تحسين الواقع الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والخدماتي للمجتمعات الريفية. ورغم تعدد المبادرات والمشاريع خلال السنوات الماضية، إلا أن واقع التنمية في الريف الأردني ما يزال يكشف عن فجوات وتحديات تختلف من منطقة لأخرى.
اقتصاديًا، تعاني مناطق ريفية عديدة من محدودية فرص العمل والاستثمار، خاصة في المناطق البعيدة عن المراكز الحضرية. ففي أجزاء من البادية الشمالية والشرقية وبعض المناطق في المفرق، ترتبط التحديات بطبيعة النشاط الاقتصادي المحدود واعتماد السكان بشكل كبير على تربية الماشية والزراعة المرتبطة بالظروف المناخية. كما تواجه مناطق في معان والطفيلة تحديات تتعلق ببعد الأسواق وقلة الاستثمارات وفرص التشغيل، بينما تعاني بعض المناطق الزراعية في الكرك وجرش من تحديات مرتبطة بالتسويق وارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع الجدوى الاقتصادية لبعض الأنشطة الزراعية.
ومن القضايا التي أصبحت تؤثر بصورة مباشرة على مستقبل التنمية الزراعية تفتت الملكية الزراعية، حيث أدى تقسيم الأراضي بين الورثة عبر الأجيال إلى تقلص الحيازات الزراعية وتحول بعضها إلى مساحات صغيرة لا تحقق جدوى اقتصادية كافية. هذا الواقع حدّ من قدرة كثير من المزارعين على التوسع أو استخدام التقنيات الحديثة، ورفع كلفة الإنتاج وأضعف فرص الاستثمار طويل الأمد.
كما يواجه الريف الأردني تحديات بيئية متزايدة تتمثل في شح المياه والتغير المناخي وتراجع المراعي الطبيعية، وهي عوامل أثرت على الإنتاج النباتي والحيواني. وفي الجانب الاجتماعي، دفعت محدودية الفرص بعض الشباب إلى الهجرة نحو المدن، ما خلق تحديًا إضافيًا يتمثل في استنزاف الطاقات البشرية من بعض المناطق الريفية.
وفي مواجهة هذه التحديات، تبرز الجمعيات التعاونية كأحد الحلول العملية القادرة على تقليل آثار بعض المشكلات، خصوصًا في مواجهة تفتت الملكيات وارتفاع كلف الإنتاج. فمن خلال العمل الجماعي، تستطيع التعاونيات تجميع جهود المزارعين وتوحيد عمليات شراء المدخلات وتسويق المنتجات وتنفيذ مشاريع مشتركة، بما يعزز الكفاءة الاقتصادية. لكن الواقع يشير أيضًا إلى أن بعض التعاونيات ما تزال تعاني من ضعف الإدارة والتمويل والتسويق ومحدودية مشاركة الشباب، ما يقلل من قدرتها على إحداث أثر تنموي أوسع.
التنمية الريفية في الأردن ليست ملفًا يُقاس بعدد المشاريع المعلنة أو الخطط المكتوبة، بل بقدرتها على خلق فرص حقيقية وتحسين حياة السكان. فنجاح التنمية يبدأ عندما يصبح الإنسان الريفي قادرًا على البقاء والإنتاج وبناء مستقبل مستقر داخل مجتمعه، لا البحث عنه خارجه.

