صراحة نيوز- إبراهيم عبدالمجيد القيسي.
الإنسان الطبيعي، يختار طعامه بنفسه، فيأكل ما يرغب بأكله، ويترك و”يتعفف” عما لا يستسيغه، ولو نظر الشخص إلى من هم حوله، في العائلة أو خارجها، سيجد اختلافات في الأذواق، وهذا أمر طبيعي، وبالتالي لا يمكن وفي الظروف العادية أن ترغم شخصا على أكل ما لا يريد أكله، إلا في ظروف خاصة، قسرية، حيث الحاضر والماضي يعجّان بقصص التجويع، وصناعة المجاعات حد الموت..
البرنامج العذائي الجدلي، الذي ينسب لطبيب التخدير المصري المرحوم ضياء العوضي، والذي تحيط بوفاته قصص جدلية، هي بحد ذاتها شكلت رواجا لبرنامجه وآرائه، وأججت الجدل حد الإحتدام، والتراشق اللفظي في مجتمعات عربية كثيرة، فهو برنامج عادي، لا يمكن لأحد عادي أن يزعم بأنه يؤدي إلى مشاكل صحية، وكذلك نقول عن عدم اتباعه كبرنامج غذائي أوحد، فليست كل “الطيبات” التي نعرفها، وردت في برنامج الدكتور العوضي، ولا أحد ملزم بأن يتبعه، وأنه حال تراجع عنه سيموت ويمرض.. سيما وان لكل كائن حي بيئته الخاصة، التي عاش فيها وتعايش مع موجوداتها، فهناك من يعيش على أطباق من الحشرات والضفادع وسائر الحيوانات والنباتات الموجودة في بيئته، ولا يوجد عندهم مجاعات ولا أمراض كفقر الدم، حتى في بيئتنا نحن وفي ظروفنا، ثمة مجتمعات عاشت مآس، وجوع وموت، لجأت خلالها لأكل لحم القطط والكلاب والحمير.. لتعيش، وعاشت، وعبرت الظروف السيئة.
مكمن الخطورة في برنامج العوضي، اقتصادي، حيث يدعو البرنامج لعدم تناول أطعمة معينة، ويحث على تناول أخرى، وهذه دعوة غير مباشرة لمقاطعة اقتصادية لبعض المنتجات الغذائية، وصناعاتها، وانعكس ذلك على أسواق معروفة، ودفعتها لتخفيض أسعار سلعها، وهذا تحد كبير يهدد قطاعات تجارية وزراعية بعينها، وكذا ثمة تحد اقتصادي يواجه الذين يتبعون هذا البرنامج الغذائي، فهم فقراء، لا يستطيعون أن يشتروا (اللحم الضاني)، ولا غيره، ولا يمكنهم الإستمرار بشراء خبز القمح حتى، ولم نتحدث بالطبع عن المرضى الذين يعانون فقرا مدقعا وأمراضا كثيرة خطيرة..
كل هذا الجدل وتلك الفوضى، لا يوجد لها جهة رسمية تتبناها أو تدافع عنها، لكن تأثيرها على أسواق الغذاء وصناعاتها يتسع، وقد تتناسل بسببه تحديات وربما فرص استثمارية، ولو تحدثنا عن الخبز مثلا، المصنوع من طحين القمح، والذي يقال عنه طحين “الحبة الكاملة”، حيث بدأنا نلمس في الأردن تحولا سريعا، في سلوك كثيرين حيث اتجهوا لشراء خبز القمح والشعير من مخابز موثوقة، لم تكن تشهد حجم هذا الإقبال، والتزاحم، وهذه السلعة هي أصلا شحيحة في أسواقنا، وحين نتحدث عن القمح البلدي غير المحور جينيا، فهو منقرض أو نادر، وكلنا -ربما-نعلم كيف تخلينا عن زراعة ذلك القمح، وكيف هجرناه، لصالح القمح الأمريكي، المحور جينيا، ثم زحف العمران على أراضينا الزراعية، فلا يوجد في الأردن ولا في كثير من البلدان العربية وغيرها وفرة في هذا النوع من القمح.. وما يقال عن القمح يقال عن سلع كثيرة غيره، أصبح حجم الطلب في عليها كثيفا، وهنا وبكل تأكيد ستتولد فرص للغش، وسنجد دعاية مثل “خبز الحبة الكاملة” في كل مكان، مثل سلعة “الألبان”، التي يقال عنها بلدية بينما هي في الحقيقة مصنوعة من الزيوت المهدرجة..
مشكلة شح الغذاء الطبيعي، قائمة أصلا، وثمة جهات وقوى تستثمر في هذه الحقيقة، وعلى أساسها أصلا تطورت الصناعات الغذائية، ولا يمكن -منطقيا- توفير عناصر برنامج “الطيبات” المذكور للناس كلهم، إلا بتطبيق نظريات إجرامية متوحشة، تهدف إلى تقليل سكان الكوكب ليتناسب مع حجم موارده الطبيعية، ونحتاج عندئذ لتفعيل كوارث من نوع “كورونا” وشقيقاتها.

