صراحة نيوز – العين فاضل محمد الحمود
وجبَ الوقوف مليًّا مع ما انطلقت به بعض الشخصيات وأصحاب المواقعالرسميّة السابقين بحديثٍ عن انجازاتٍ لم تُرَ سابقًا ولم يُرَ أثرها في واقعحياتنا لتأتي هنا المفارقة الغريبة بأن هذه الأحاديث لم يُصدحْ بها من لسانأصحابها إلا بعد مُغادرتهم مكاتبهم ومناصبهم وكأن هذه الحقائق كانتمحجوزةً داخل الأدراج وتائهةً بين الملفات ليُعلّق السؤال الباحث عن إجابةٍ ،لماذا يُطلق سراحها اليوم ؟ولماذا لم يكن الحديث بها سابقًا ؟.
إن مُغادرةَ البعض لموقعه الرسمي باتَ يحمل تغيرًا فكريًّا صادمًا يُرافقه سيلًامن التصريحات والمقابلات والذكريات الشخصية ليكون هنا صاحبها خبيرًا فيكشف الأسرار وحاملًا لواء الإصلاح وراويًّا لقصص لم يسمعْ بها أحد فيصبحالخلطُ واضحًا بين الحديث عن التجربة الرسمية التي تُعدُّ ثروةً وطنيةً اذا طُرحتبموضوعيةٍ وصدقٍ وبين تحوّل الحديث لاستعراض الذات أو محاولةٍ متأخرةٍلتلميع الصورة الشخصية بعد انتهاءِ الخدمة ليصبح التشكيكُ عنوانًا وليُصنعللفتنةِ مكانًا وليُطرح السؤال الذي يبحث عن إجابةٍ ، لماذا كان الصمتُ في زمنالمنفعة ؟ ولماذا الحديث بعد انقطاعها ؟.
إن المجتمعات لا تبحثُ عن رواياتٍ فردية بل تبحثُ عن نتائجها الواضحةفالمواطن لا يسأل عن كمّ الاجتماعاتِ التي عقدها المسؤول ولا عن كمّ المعاركالتي خاضها خلف جدران المكاتب المغلقة بل يسأل سؤالًا بسيطًا واضحًا ،ماذا حققتم ؟ وما أنجزتم ؟ وما الذي تغير في حياة الناس؟ …ليتجسد هناالخطر الكبير القابع وراءَ أن هذه الروايات المجزوءة التي تستندُ إلى معلوماتٍلم يكن أصحابها ليطّلعوا عليها لولا المناصب التي شغلوها فالوظيفة الرسميةليست ملكيةً خاصةً والمعلومات التي يطّلعُ عليها المسؤول ليست من رصيدهِالشخصي ولا يحقُّ له استخدامها لصناعةِ المجد الإعلامي أو كسبِ التأييدالجماهيري .
إن قيمةَ المسؤول لا تُقاس بعددِ المقابلات واللقاءات بعد مغادرته المنصب بقدرِما تعتمد على الأثر الحقيقي الذي تركهُ خلفه وهنا يجبُ أن نرفض أن يكونتولّي المناصب سابقًا منصةٍ دائمة للحديث الذي لا يحمل قيمةً ولا يضيف شيئًاللوطن فالوطن لا يحتاج لأحاديث بأثرٍ رجعي ولا لقصصٍ تُروى بعد انتهاءالعرض، بل يحتاج إلى رجال دولةٍ يُدركون مسؤولية المناصب ولا يُحيلوها فرصةًللشهرة ، وأن الإنجاز الحقيقي لا يحتاج إلى من يُعلن عنه كل يومٍ لأن الناسستراه وتحكم عليه بنفسها .
إن الحقيقةَ بسيطةٌ وواضحة والمناصبَ زائلة والكلماتَ عابرة ،أمّا الإنجازالحقيقي فهو شاهدُ الوجود فإن من صنعَ الأثر الحقيقي لن يحتاجَ للوقوف أمامالناس وإخبارهم بما فعل وهنا تبرزُ أهمية وجود ضوابطٍ قانونيةٍ وأخلاقيةٍواضحة لضبطِ المشهد ولضمانِ عدم المَساس بالمصلحة العامة وعدم القبولبخلقِ حالاتٍ من الضبابية التي تعصفُ بهيبة الدولة ومؤسساتها ورفض تحويلأسرارها وملفاتها لمادةٍ مُتاحةٍ للإستهلاك الإعلامي .

