إرهاصات تحالفٍ جَليّ .. بدل الخفيّ

8 د للقراءة
8 د للقراءة
إرهاصات تحالفٍ جَليّ .. بدل الخفيّ

صراحة نيوز – عوض ضيف الله الملاحمة

السياسة مهنة اللاأخلاق . والدول التي لها نهج وطني حقيقي وتسيرها مصالحها . والمخفي أعظم وأخطر في نهج الدول ، حيث انه ليس كل ما يحصل يظهر للعلن . وقد تتعاون وتلتقي الدول في مصالحها مع أعدائها ، وقد تُظهِر الدول خلاف ما تُبطِن في علاقاتها .

كما ان الحروب انواع ، منها :— ( حروب بالوكالة Proxy Wars ) ، و ( حروب مصالح ) ، و( حروب بين دول متحالفة بالخفية ) ، و ( حروب تحرير ) و ( حروب تحريك )، وغيرها .

الحرب بين أمريكا وإيران ، طابعها ، وآلياتها ، ووتيرتها ، وأحداثها ، ووقائعها تشي بأنها حرب نتيجة خلاف بين حلفاء على تقاسم النفوذ والسيطرة في المنطقة . وأعتقد انه ستظهر إرهاصات التحالف بشكل جليّ وواضح ، بدل ان كان تحالفاً خفياً في السرّ .

والحرب الحالية ، وحرب ال ( ١٢ ) يوماً في حزيران ٢٠٢٥ ، كشفت دلائل عديدة على انها حرب نتيجة ( خلاف ) بين حلفاء ، وليست حرباً بين أعداء .

والأدلة كثيرة ، وأهمها : لو كانت إيران على عداء مع أمريكا ، هل كانت تسمح بإحتلال العراق ؟ وهل كانت ستسمح لأمريكا ان تتواجد على حدودها ؟ والدليل الآخر ، ان أمريكا وإيران تقاسمتا الأدوار في تدمير العراق ، وسرقة ثرواته وخيراته ، وبعدها سيطرت امريكا بإنشاء عشرات القواعد العسكرية الأمريكية على أرض العراق ، وأطلقت يد إيران في تدمير العراق وتفكيكه ديمغرافياً ، وعقائدياً ، ومناطقياً ، وعشائرياً . وأسست إيران عشرات الميليشيات الطائفية ، التي أحكمت قبضتها على العراق سياسياً ، واقتصادياً ، وعسكرياً ، وأمنياً .

الصراع الأمريكي الإيراني ، هو صراع الحلفاء على تقاسم السيطرة ، والنفوذ . وهذا ليس غريباً ، ولا يحدث لأول مرة بين الدول . فما أكثر الحروب التي نشبت بين الحلفاء في التاريخ الإنساني . نعم تاريخياً حدثت حروب وصراعات بين دول متحالفة في ( الخفية ) ، او تنسق مصالحها سِرّاً ، بينما تَظهر للعلن كأعداء .

من أبرز الأمثلة في التاريخ الحديث ، وقبل إندلاع الحرب العالمية الثانية ، وقّع الطرفان الإتحاد السوفييتي والمانيا النازية ، وقعا سِراً ، إتفاقية ( مولوتوف – ريبنتروب ) في شهر ١٩٣٩/٨ ، والتي تضمنت بنداً سرياً لتقسيم بولندا واوروبا الشرقية . ورغم هذا التحالف والتعاون الإقتصادي ( الخفيّ ) ، إستمرت العداوة الأيديولوجية ( الشيوعية ضد الفاشية ) في الظهور إعلامياً ، حتى إنتهى هذا التوافق السري فعلياً ، بغزو هتلر للإتحاد السوفييتي في شهر ١٩٤١/٦ .

وكذلك خلال فترة الحرب الباردة ، تجنبت القوى العظمى ( الولايات المتحدة والإتحاد السوفييتي ) الدخول في مواجهات عسكرية مباشرة مع بعضها البعض ، وبدلاً من ذلك ، خاضت حروباً بالوكالة ( Proxy Wars ) ، حيث قدمت كل دولة السلاح ، والدعم المالي واللوجستي لحكومات او ميليشيات محلية ، تتقاتل فيما بينها ، بينما يحافظ القادة الكبار على قنوات تواصل وتهدئة في ( الغُرف المغلقة ) .

وفي اوروبا القديمة ، كثيراً ما كانت الإمبراطوريات والممالك ، تعقد معاهدات سرية لضمان عدم التدخل ، او (( لإقتسام النفوذ )) ، بينما تعلن الحرب لذر الرماد في العيون ، او لتأمين مصالح إقتصادية ، ومن الأمثلة الكلاسيكية حرب (( الثلاثين عاماً )) في اوروبا . حيث كانت بعض الدول الكاثوليكية تدعم سراً تحالفات مع البروتستانت ، والعكس صحيح ، وذلك لأسباب سياسية بحتة ، تتعلق (( بتوسيع النفوذ )) ، وليس بسبب الخلافات الدينية (( الظاهرة )) .

وهناك حرباً من نوعٍ آخر ، علينا ان لا ننساها نحن العرب ، وهي حرب رمضان عام ١٩٧٣ . حيث إستعد الزعيم العربي المرحوم / جمال عبدالناصر ، للتجهيز لحرب (( تحرير )) ، وبعد وفاته ، وإنتقاله الى جوار ربه زعيماً عروبياً صادق الإنتماء ، حوّلها الرئيس / محمد أنور السادات الى حرب (( تحريك )) هادفاً منها إبرام صفقة سلام مع العدو الصهيوني .

الأمثلة كثيرة على الحروب (( الخفية )) . وعليه أطرح سؤالاً على القراء الكرام : هل شَهِد ، او سمِع ، او قرأ ، او حتى تخيل أحداً منهم حرباً ، مثل حربي أمريكا وإيران في شهر ٢٠٢٥/٦ — التي سُميت بحرب ال ( ١٢ ) يوماً ، والحرب الحالية التي شنتها امريكا والكيان الصهيوني على إيران بتاريخ ٢٠٢٦/٢/٢٨ ، والتي استمرت ( ١٠٨ ) أيام ، حيث توقفت بتاريخ ٢٠٢٦/٤/٨ . وحوالي ( ٧١ ) يوماً تنوعت بين إشتباكات ، ومفاوضات ، واتهامات ، وقصف أهداف مُختارة ، ويرد الطرف الآخر ، وأحياناً لا يرد ، حسب توازنات معينة ترسمها أمريكا ، وينصاع لها الطرفان .

القراء الكرام هل سبق في حروب العالم كلها ، ان يُبلغ الطرف المهاجم ، الطرف المنوي مهاجمته عن اسماء المواقع التي سيتم إستهدافها وقصفها (( ثأراً ))، مع تحديد ساعة الإستهداف !؟ هذا أقرب لخلاف بين أحبّة مِنه الى حربٍ بين أعداء .

في رأيي المتواضع ، انه أحياناً كانت الأطراف الثلاثة لا تضبط الأمور ، ولا تسيطر على بعض الهجمات ، او عمليات القصف ، والسبب هم العسكر لدى الاطراف الثلاثة ، فأحياناً يتمرد العسكر الأمريكان ، وأحياناً الحرس الثوري ، وتغض امريكا وايران الطرف للسماح للعسكريين ( بفش غِلهم وغيضهم ) ، لأنهم خارج اللعبة ، ولا يعلمون بها .

على فكرة الكيان الصهيوني يعرف اللعبة ، لكنه يختلف مع الأمريكان على تقسيم الأدوار ، وآليات السيطرة على المنطقة ، وهو يطمع في حصة الأسد بندية كطرف مستقل وليس تحت العباءة الأمريكية .

وعند عمل تلخيص لنتائج الحرب ، أقول :— ( هُزِمت ) أمريكا والكيان ، وضاعت هيبتها ، وما حصل تأكيد على ان أمريكا الى ( أفول ) . والكيان ( تمرمط ) وذاق الدمار ، والخراب ، والخوف ، وعدم الأمان . ودُمرت إيران ، وأحرزت مكاناً علياً بين الأمم ، والعرب هم الخاسرون في حربٍ لم يخوضوها ، ولم يسعوا اليها ، ولم يُشعِلوا فتيلها ، وسوف يتقاسمهم الأعداء الثلاثة ، وهم صاغرون .

الأمريكان يحتقرون العرب ، ويودون التفرد بنهب خيراتهم . والعدو الصهيوني يكيد بنا ، ويطمع بإحتلالنا وتحقيق الحلم التوراتي من النيل الى الفرات ، ويكيد بما يتبقى من الوطن العربي ليكون تابعاً مستسلماً ، ذليلاً خاضعاً .

والإيرانيون يكرهون العرب جينياً ، ويطمعون في أرضنا وثرواتنا ، وتحتل واقعياً أضعاف ما يحتله الكيان الصهيوني . وهم حلفاء ، لكنهم يختلفون على تقاسم النفوذ والسيطرة علينا . لذلك ثلاثتهم بالنسبة للعرب أعداء وشياطين ، ولا يمكن ان يتمنوا لنا خيراً . الخلاف علينا ونحن نيام . وستبدي الأيام بان ما أظهرته هذه الحرب ليس سوى إرهاصات لتحالف سيصبح (( جلياً )) ، بدل ان كان (( خفياً )) .

وأختم بما قاله وزير الخارجية الأميركي الأسبق / هنري كيسنجر الى رئيس وزراء العدو / مناحيم بيغن ، حيث قال : (( إنني أُسلِّمك أمةً نائمة )) . لكنني كلي ثقة بأن أمتنا العربية الضعيفة ، المهزومة ، سوف تنهض ، ويلوح في الأفق الإنتصار بعد الإنحسار والإنكسار ، وهذا ديدن الأمم منذ بدء الخليقة .

شارك هذا المقال