لماذا يحتاج الأردن إلى مرصد وطني للأسواق الزراعية؟

7 د للقراءة
7 د للقراءة
لماذا يحتاج الأردن إلى مرصد وطني للأسواق الزراعية؟

صراحة نيوز- بقلم : م. سمير سليمان

في الزراعة الحديثة، لم تعد المعلومة ترفًا، بل أصبحت موردًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن المياه والأرض والبذور. فكلما كانت البيانات أدق وأسرع، كانت القرارات الزراعية أكثر كفاءة، والخسائر أقل، والفرص أكبر. ولم تعد الدول الناجحة في إدارة قطاعاتها الزراعية تعتمد على زيادة الإنتاج وحدها، بل على قدرتها في جمع البيانات وتحليلها وتحويلها إلى قرارات استباقية تحمي المنتج والمستهلك في آن واحد.

يكاد لا يمر موسم زراعي في الأردن دون أن تتكرر المشاهد ذاتها؛ وفرة في إنتاج بعض المحاصيل تؤدي إلى انهيار الأسعار وخسائر للمزارعين، أو نقص في محاصيل أخرى ينعكس ارتفاعًا في الأسعار يتحمله المستهلك. وبين هذين المشهدين، يبقى السؤال: هل المشكلة في الإنتاج، أم في غياب المعلومة التي تساعد على اتخاذ القرار في الوقت المناسب؟

الحقيقة أن القطاع الزراعي لم يعد يعتمد على الأرض والمياه والتكنولوجيا فقط، بل أصبحت البيانات أحد أهم مدخلات الإنتاج، وأصبحت جودة القرار لا تقل أهمية عن جودة البذور أو كفاءة الري. فالدول المتقدمة لم تعد تنتظر وقوع الأزمة لتتحرك، بل تستبقها عبر أنظمة متطورة لرصد الأسواق وتحليل البيانات والتنبؤ بالعرض والطلب، لأن إدارة الأسواق تبدأ بالمعلومة، لا بردة الفعل.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى إنشاء مرصد وطني للأسواق الزراعية، يكون بمثابة بيت خبرة وطني يجمع البيانات من مختلف المؤسسات، ويحللها، ويصدر مؤشرات وتوقعات تساعد المزارعين، والتعاونيات الزراعية، والمستثمرين، وصناع القرار على التخطيط السليم، والحد من التقلبات الحادة في الأسواق.

ولا يقتصر دور هذا المرصد على متابعة الأسعار اليومية، بل يمتد إلى رصد المساحات المزروعة، وتوقع حجم الإنتاج، ومتابعة حركة الاستيراد والتصدير، وتحليل الطلب المحلي والخارجي، ورصد تأثير الظروف المناخية والآفات الزراعية، وصولًا إلى إصدار إنذارات مبكرة قبل حدوث الاختلالات في الأسواق. فعندما تشير البيانات إلى فائض متوقع في محصول معين، أو نقص في محصول آخر، يصبح بالإمكان اتخاذ إجراءات استباقية قبل وقوع الأزمة، بدلًا من معالجتها بعد حدوثها.

وقد أثبتت التجارب الدولية أهمية بناء منظومات معلومات زراعية متطورة. ففي هولندا، التي تعد من أبرز النماذج الأوروبية في الإدارة الذكية للقطاع الزراعي، تعتمد منظومة الإنتاج والتسويق على قواعد بيانات دقيقة وتحليلات مستمرة للأسواق، بما يساعد المنتجين على مواءمة الإنتاج مع الطلب المحلي والعالمي، ويعزز قدرتها التنافسية رغم محدودية مواردها الطبيعية.

أما مصر، فقد شهدت خلال السنوات الأخيرة نهضة زراعية لافتة، رافقها تطوير للبنية التحتية التسويقية، والتوسع في التحول الرقمي، وإطلاق منصات ونشرات للمعلومات والأسعار الزراعية، بما أسهم في تحسين تدفق المعلومات بين المنتجين والأسواق، ودعم التخطيط واتخاذ القرار. وتمثل التجربة المصرية أهمية خاصة للأردن بحكم القرب الجغرافي، وتشابه العديد من التحديات الزراعية، مما يجعل الاستفادة من خبراتها أكثر واقعية وقابلية للتطبيق.

ولا يعني استعراض هذه التجارب الدعوة إلى استنساخها، بل الاستفادة من المبادئ التي قامت عليها، وفي مقدمتها أن المعلومة الدقيقة أصبحت أحد أهم مدخلات الإنتاج الزراعي، وأن إدارة الأسواق تبدأ بتحليل البيانات قبل التدخل في الأزمات.

وفي الأردن، لا تنقصنا البيانات، بل ينقصنا توحيدها. فالمعلومات موجودة لدى وزارة الزراعة، ووزارة الصناعة والتجارة والتموين، ودائرة الإحصاءات العامة، والأسواق المركزية، ودائرة الجمارك، إضافة إلى ما يتوفر لدى بعض المؤسسات والقطاع الخاص، لكنها ما تزال موزعة بين جهات متعددة. وما نحتاجه اليوم هو منصة وطنية تجمع هذه البيانات، وتحولها إلى مؤشرات وتوقعات تدعم القرار، وتوفر للمزارع والمستثمر صورة واضحة عن اتجاهات السوق قبل اتخاذ قرارات الإنتاج والتسويق.

ولا تقتصر أهمية المرصد الوطني للأسواق الزراعية على دعم الجهات الحكومية، بل تمتد لتشمل التعاونيات الزراعية، التي يمكن أن تصبح الشريك الرئيس في الاستفادة من مخرجاته. فالتعاونيات قادرة على تحويل البيانات والمؤشرات إلى خطط إنتاج وتسويق جماعية، وتوجيه أعضائها نحو المحاصيل الأكثر طلبًا، والحد من التوسع العشوائي في زراعة المحاصيل المتشابهة، كما تستطيع تنظيم عمليات التجميع، والتدريج، والتعبئة، والتخزين، والتسويق، والتعاقد مع المشترين، استنادًا إلى معلومات دقيقة عن احتياجات السوق. وعندما تمتلك التعاونيات المعلومة الصحيحة في الوقت المناسب، فإنها لا تحمي مصالح أعضائها فحسب، بل تسهم أيضًا في تحقيق قدر أكبر من استقرار الأسواق، وتعزيز الأمن الغذائي، ورفع القوة التفاوضية للمزارعين.

كما يمكن للمرصد أن يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات التاريخية، والظروف المناخية، وحركة الأسواق، وإصدار تنبيهات مبكرة، مثل توقع وجود فائض في إنتاج محصول معين، أو انخفاض إنتاج محصول آخر بسبب الظروف الجوية، أو ارتفاع الطلب في أسواق تصديرية محددة، بما يساعد على توجيه الإنتاج قبل وقوع الأزمة، لا بعدها.

ومن المهم التأكيد أن المرصد المقترح ليس جهة رقابية، ولا يتدخل في تحديد الأسعار، بل هو منصة وطنية للمعلومة والتحليل والإنذار المبكر، تضع البيانات بين أيدي المزارع، والتعاونية الزراعية، والمستثمر، وصانع القرار، ليصبح القرار مبنيًا على المعرفة، لا على التخمين.

ولعل الوقت قد حان لتشكيل فريق وطني يضم وزارة الزراعة، ووزارة الصناعة والتجارة والتموين، ودائرة الإحصاءات العامة، ودائرة الجمارك، والأسواق المركزية، والاتحاد العام للمزارعين، والحركة التعاونية الزراعية، وغرف التجارة والصناعة، والقطاع الخاص، لوضع الإطار المؤسسي لمرصد وطني للأسواق الزراعية، يكون أحد مشاريع التحديث الاقتصادي والأمن الغذائي في الأردن.

لقد آن الأوان لأن تصبح البيانات الزراعية جزءًا من البنية التحتية للقطاع الزراعي، تمامًا كما هي المياه والأرض. فالمزارع الذي يمتلك المعلومة في الوقت المناسب يمتلك فرصة أفضل للنجاح، والتعاونية التي تبني قراراتها على البيانات تصبح أكثر قدرة على تنظيم الإنتاج والتسويق، والدولة التي تستبق أزمات الأسواق بالمعلومة، تحمي المنتج والمستهلك في آن واحد.

إن مستقبل الزراعة الأردنية لن يتحدد بزيادة الإنتاج وحدها، بل بقدرتها على إدارة الإنتاج والتسويق بالعلم والبيانات. لذلك، فإن إنشاء مرصد وطني للأسواق الزراعية لم يعد خيارًا يمكن تأجيله، بل أصبح ضرورة وطنية لبناء قطاع زراعي أكثر استقرارًا وكفاءة وتنافسية، ينتقل من إدارة الأزمات إلى استباقها، ويجعل من المعلومة نقطة البداية لكل قرار زراعي ناجح.

شارك هذا المقال