صراحة نيوز- د. حمزة الشيخ حسين
مع أنني لا أحبذ التعليق على جنرالات الدولة الذين يقومون بزيارات أو يحضرون مناسبات رسمية أو اجتماعية في البلاد، إلا أن موقفاً استوقفني، وأعتقد أنه يستحق التوقف عنده.
كان اللواء أحمد حسني، مدير دائرة المخابرات العامة، حاضراً في إحدى المناسبات، وعندما تحدث أحد الحضور، قام بالتعقيب على حديثه بكل دقة ووضوح، وقال: «اسمح لي أخوي الكبير أن أقول: نحن لم نرث حب الأردن، بل رضعناه رضاعة».
ثم أكمل حديثه بشكل مرتجل، ولم يتجاوز حديثه دقيقتين، لكنه اختزل في تلك الدقائق سردية كبيرة.
لم يكن أمامه ورق مطبوع، ولم يكن قد حفظ كلماته عشرات المرات قبل أن يقف أمام الناس، كما يفعل بعض الذين يطوفون بعرض البلاد وطولها وهم يتحدثون عن الأردن، بينما تكون الأوراق بين أيديهم جاهزة، أو تكون الكلمات محفوظة عن ظهر قلب.
كان حديثاً ارتجالياً جاء رداً على كلمة أحد الحضور، ومع ذلك أظهر قدرة ذهنية عالية، وسرعة في التقاط الفكرة، والقدرة على التعبير عنها في وقتها وبكلمات قليلة.
وهنا توقفت.
فمثل هذه المواقف الصغيرة تكشف أحياناً ما لا تكشفه الخطب الطويلة.
وتحمل الناس على التفكر في القدرات التي يتمتع بها الرجل، وفي المؤسسة التي يقودها، وفي طبيعة العمل الذي تقوم به دائرة المخابرات العامة الأردنية، والتي أصبحت، بما تقوم به من عمل احترافي وسبق وقائي، خط الدفاع الأول عن أمن البلاد واستقرارها.
والأردن اليوم بحاجة إلى أمثال هؤلاء الرجال.
انظروا إلى من يتحدث، وإلى من كان على رأس عمله، وإلى من قاد البلاد نحو الضائقة المالية والاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها اليوم، بسبب انعدام الفطنة وسوء التقدير، ثم اسألوا أنفسكم: ما هو المنطق الذي كان يحكم تلك القرارات؟
فالأردنيون لم يعودوا ينظرون إلى المسؤول من خلال موقعه فقط، وإنما أصبحوا قادرين على التمييز بين من يمتلك الفطنة والذكاء لخدمة البلاد، وبين من يجيد مجرى الكلام والتصريحات، ويجعل جل همه أن ينال مقعداً أو كرسياً في جامعة أو مركز علمي أو ثقافي، حتى يبقى في الواجهات الإعلامية أطول فترة ممكنة.
وهؤلاء كثر للأسف.
بعضهم فرض نفسه على المسؤولين من خلال شبكة العلاقات العامة التي تجمعه بهم، وبات وجوده في الواجهة أمراً شبه دائم، ليس بالضرورة لأن لديه ما يضيفه للوطن، وإنما لأنه يعرف كيف يحافظ على حضوره.
والشعب الأردني أصبح ناقماً على هذا المشهد، وعلى كل من ساهم في تحويل الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية إلى مساحة مغلقة تتكرر فيها الأسماء نفسها، وتفتح فيها الأبواب لمن يمتلك العلاقات أكثر مما تفتح لمن يمتلك الكفاءة.
لهذا أقولها بوضوح:
كم يحتاج الأردن اليوم إلى رجال دولة حقيقيين.
رجال لا يبحثون عن الواجهة، بل تعمل الواجهة من أجلهم.
رجال لا يحتاجون إلى أوراق طويلة حتى يثبتوا حضورهم.
رجال إذا تحدثوا، أنصت الناس؛ وإذا صمتوا، عرف الناس أن وراء الصمت قراءةً لما يجري.
ومن هنا، فإن وجود رجل مثل الباشا أحمد حسني في موقعه اليوم ليس مجرد وجود مسؤول أمني، وإنما يمثل، في تقديري، صمام أمان مستقبلياً للأردن، في ظل إقليم مضطرب وتحديات تتغير كل يوم.
الأردن يتغنى إلى الأبد بذكرى الشهيد وصفي التل، وهذا حقه، لأن وصفي أصبح جزءاً من الذاكرة الوطنية الأردنية.
لكن الأردن اليوم بحاجة أيضاً إلى الرجال الأحياء.
بحاجة إلى رجال وجودهم يحيي الأرض بعد موتها، ويبث الحياة من جديد في جسد الشعب الأردني، ويعيد للناس شيئاً من الثقة بأن الدولة ما زالت قادرة على إنتاج رجال يعرفون معنى المسؤولية، ويضعون الأردن قبل أنفسهم.
فالدول لا تحميها الكلمات وحدها، ولا الذكريات وحدها، ولا المناصب وحدها.
الدول يحميها رجال يؤمنون بها، ويعرفون أن حب الوطن ليس ما نقوله أمام الناس، وإنما ما نحمله في داخلنا ونفعله عندما لا يرانا أحد.
وهذا تحديداً ما استوقفني في تلك الدقائق القليلة التي تحدث فيها اللواء أحمد حسني.
«نحن لم نرث حب الأردن… بل رضعناه رضاعة».
كلمات قليلة، لكنها في زمن كثرت فيه الكلمات، كانت كافية لتقول الكثير.

