صراحة نيوز- بقلم الباحثة هيفاء مفيد محمد مطاحن
في ظل التغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم الرقمي والتكنولوجي، تظهر باستمرار مصطلحات جديدة تعكس طبيعة هذا العصر ومتطلباته. وقد استوقفني أحد هذه المصطلحات أثناء حضوري محاضرة في مساق التكنولوجيا والوسائط الرقمية في الطفولة المبكرة في الجامعة، عندما ذكر لنا الدكتور مصطلحًا جديدًا هو “الأمية الوظيفية”.
منذ تلك اللحظة بدأت أتساءل: ما المقصود بالأمية الوظيفية؟ وهل ترتبط بمفهوم محو الأمية الذي نعرفه؟ وكيف يمكن أن تؤثر الأمية الوظيفية في الأطفال، وتحديدًا في مرحلة الطفولة المبكرة؟
وهذه التساؤلات أثارت فضولي، فبدأت رحلة البحث والاطلاع على الدراسات والرسائل العلمية التي تناولت مفهوم الأمية الوظيفية، ومحاولة فهم ارتباطها بمرحلة الطفولة المبكرة.
تُعد مهارات القراءة والكتابة والحساب من الركائز الأساسية التي تقوم عليها المشاركة الفاعلة في المجتمع، كما تمثل أساسًا للتنمية الفردية والاجتماعية، ومع التطور المتسارع في متطلبات الحياة، لم تعد القدرة على قراءة الكلمات أو كتابة الجمل البسيطة كافية لوصف الفرد بأنه “متعلم”، بل أصبح المطلوب هو امتلاك القدرة على توظيف هذه المهارات في مواقف الحياة اليومية بصورة فعالة وهادفة، وهو ما يعبر عنه بمفهوم الأمية الوظيفية.
ومن هذا المنطلق، يمكن تعريف الأمية الوظيفية بأنها عجز الفرد عن توظيف مهارات القراءة والكتابة والحساب في حياته اليومية، بما يمكنه من تنمية ذاته والمشاركة الفاعلة في مجتمعه.فقد يمتلك الشخص تعليمًا نظاميًا ومهارات لغوية أولية، إلا أنه يواجه صعوبة في فهم النصوص الأكثر تعقيدًا، أو التعامل مع الوثائق والمعلومات التي تتطلب تحليلًا أو تطبيقًا عمليًا. وقد يرجع هذا العجز إلى عوامل معرفية أو عصبية أو حسية، أو إلى ظروف اجتماعية وثقافية تحد من فرص التعلم واكتساب الخبرات.
ورغم الجهود العالمية المبذولة في مجال التعليم، ما تزال هناك فجوة واضحة بين القدرة على القراءة وبين القدرة على استخدام مهارات القراءة والكتابة في مواقف الحياة الواقعية. حيث لا يزال ملايين الأفراد يعجزون عن فهم النماذج الرسمية، أو قراءة التعليمات، أو التعامل مع الوثائق والإجراءات اليومية، وهو ما يجعل الأمية الوظيفية تحديًا تربويًا واجتماعيًا واقتصاديًا يستحق مزيدًا من الاهتمام.
– منظور عالمي للأمية الوظيفية
لم تعد الأمية الوظيفية قضية تعليمية فحسب، بل أصبحت ظاهرة عالمية تؤثر في مجالات متعددة، مثل التعليم، وسوق العمل، والمشاركة المجتمعية، والصحة العامة، والاستقرار الاجتماعي. كما أن آثارها تمتد إلى الجوانب الاقتصادية والرقمية، حيث قد تسهم محدودية الكفايات الوظيفية في ضعف القدرة على التعامل مع التقنيات الحديثة، أو زيادة التعرض لمخاطر الجرائم الرقمية وسوء استخدام المعلومات.
ولذلك، اتجهت العديد من الدول والمنظمات الدولية إلى تطوير برامج محو الأمية الوظيفية، التي لا تقتصر على تعليم القراءة والكتابة، وإنما تركز على تنمية المهارات الحياتية وتطبيقها في الواقع، من خلال توظيف التكنولوجيا، والتعليم عن بُعد، وورش العمل، والتعلم الأسري، بهدف ضمان استدامة التعلم عبر الأجيال. ومع ذلك، ما تزال هذه البرامج تواجه تحديات تتمثل في الفقر، وضعف الموارد، وعدم تكافؤ فرص الوصول إلى التكنولوجيا في بعض المناطق.
– الأمية الوظيفية… هل تبدأ في الطفولة المبكرة؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن الأمية الوظيفية قضية تخص المراهقين أو البالغين، خاصة أن تصنيف الفرد بوصفه “أميًا وظيفيًا” يرتبط غالبًا بمن تجاوز سن السادسة عشر، إلا أن مراجعة الدراسات والرسائل العلمية تشير إلى أن جذور الأمية الوظيفية تبدأ في مرحلة الطفولة المبكرة، وهي المرحلة التي تُبنى فيها الأسس اللغوية والمعرفية التي يعتمد عليها الطفل في تعلمه اللاحق.
فالطفولة المبكرة تُعد مرحلة حاسمة في تشكيل أنماط التفكير والسلوك، وتنمية اللغة، والوعي الصوتي، والتمييز البصري، والمهارات الاجتماعية، وبناء المفاهيم والخبرات الأولى.
وعندما يفتقد الطفل في هذه المرحلة إلى الخبرات التعليمية المناسبة، أو لا يحصل على فرص كافية للتفاعل والقراءة واللعب الهادف والحوار، فإن آثار ذلك قد لا تظهر بصورة مباشرة، لكنها قد تنعكس لاحقًا في صورة صعوبات في الفهم، والتفكير، والتطبيق، وهي المظاهر التي قد تتطور مستقبلًا إلى أمية وظيفية.
ومن هنا، فإن العلاقة بين الطفولة المبكرة والأمية الوظيفية ليست علاقة عمرية فحسب، بل هي علاقة تأسيسية؛ فكلما كانت خبرات الطفل في سنواته الأولى أكثر جودة، ازدادت قدرته مستقبلًا على توظيف المعرفة في حياته اليومية، وليس مجرد اكتسابها.
وترى الباحثة في مجال الطفولة، لابد من استثمار مرحلة الطفولة المبكرة بوصفها مرحلة لتنمية الاستعداد الأكاديمي، إنما أيضًا باعتبارها مرحلة وقائية تسهم في الحد من الأمية الوظيفية مستقبلًا، وذلك يتطلب تعزيز دور المؤسسات التعليمية كرياض الأطفال والصفوف الأولى، من خلال تأهيل الكوادر التعليمية وتدريبها المستمر بما يواكب التطورات المعاصرة، إلى جانب تفعيل دور الأسرة في توفير بيئة تعليمية ثرية، متكاملة لدعم النمو الشامل للأطفال وتنمي مهاراتهم الأساسية منذ السنوات الأولى.
المراجع :
صندوق النقد الدولي (2018) قياس الاقتصاد الرقمي. تقرير موظفي صندوق النقد الدولي.
اللجنة الدولية أمية تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، (2007)
بقلم الباحثة هيفاء مفيد محمد مطاحن
باحثة في مجال الطفولة المبكرة
لدي خبرة في مجال حماية الطفل والدعم النفسي الاجتماعي في المنظمات الأنسانية
مهتمة بقضايا الطفولة وشغوفة بها

