صراحة نيوز – كتب زياد فرحان المجالي
لم يعد المأزق الذي يواجهه بنيامين نتنياهو محصورًا في حرب غزة، أو في أزماته الداخلية، أو في الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي. فالإرث الأكثر خطورة الذي قد يتركه بعد انتهاء مسيرته السياسية يتمثل في إضعاف أحد أهم الأصول الاستراتيجية التي امتلكتها إسرائيل منذ تأسيسها: الدعم الأميركي العابر للأحزاب.
لسنوات طويلة، حافظت إسرائيل على مكانة تكاد تكون محصنة داخل واشنطن. كان الجمهوريون والديمقراطيون يختلفون في معظم الملفات، لكنهم يلتقون عند دعم إسرائيل وضمان تفوقها العسكري وحمايتها سياسيًا ودبلوماسيًا. غير أن نتنياهو، بدافع حساباته الشخصية والحزبية، نقل العلاقة تدريجيًا من مساحة التوافق الأميركي إلى قلب الاستقطاب السياسي، حتى أصبحت إسرائيل موضوعًا للخلاف بدل أن تكون نقطة اتفاق.
بدأ التحول بصورة واضحة عام 2015، عندما قرر نتنياهو مواجهة إدارة الرئيس باراك أوباما بشأن الاتفاق النووي مع إيران. لم يكتفِ بإعلان اعتراضه على الاتفاق، بل توجه إلى الكونغرس وألقى خطابًا من دون تنسيق مع البيت الأبيض، في خطوة فُهمت داخل الحزب الديمقراطي باعتبارها تحديًا مباشرًا للرئيس الأميركي وتدخلًا في الانقسام الداخلي.
ربما حقق نتنياهو يومها مكسبًا إعلاميًا، وظهر أمام الإسرائيليين باعتباره القائد القادر على مخاطبة الكونغرس من وراء ظهر الإدارة الأميركية، لكنه دفع ثمنًا استراتيجيًا بعيد المدى. فقد شعر عدد متزايد من الديمقراطيين بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي لم يعد يتعامل مع الولايات المتحدة كدولة ومؤسسات، بل يختار الحزب والفريق السياسي الأكثر انسجامًا معه.
وتعمق هذا الاتجاه خلال ولاية دونالد ترمب بين عامي 2017 و2021. فقد بنى نتنياهو علاقة شخصية وسياسية وثيقة مع ترمب، ووصفه بأنه أفضل صديق لإسرائيل، وحصل في عهده على مكاسب كبيرة، من بينها الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة إليها، والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان المحتل.
لكن هذه المكاسب، على أهميتها بالنسبة لنتنياهو، ارتبطت بصورة متزايدة بالحزب الجمهوري وبشخص ترمب. وفي المقابل، تراجعت العناية بالعلاقة مع الديمقراطيين، ولا سيما الجناح التقدمي والأجيال الشابة داخل الحزب. وهكذا بدأ يتشكل انطباع بأن دعم إسرائيل لم يعد سياسة أميركية ثابتة، بل أصبح جزءًا من برنامج اليمين الجمهوري.
جاءت حرب غزة بعد السابع من أكتوبر 2023 لتكشف حجم الضرر المتراكم. فقد سارع الرئيس جو بايدن إلى زيارة إسرائيل، وقدم لها دعمًا سياسيًا وعسكريًا واسعًا، وأكد التزام بلاده بأمنها. لكن نتنياهو لم يتعامل مع هذا الدعم باعتباره شراكة تفرض التشاور، بل تجاهل كثيرًا من النصائح الأميركية المتعلقة بإدارة الحرب وحماية المدنيين والمسار السياسي لما بعد العمليات العسكرية.
وعندما قررت إدارة بايدن تعليق أو تأخير بعض شحنات الأسلحة، اتهم نتنياهو واشنطن علنًا بأنها تمنع إسرائيل من تحقيق النصر. وبذلك وضع الرئيس الأميركي في موقف بالغ الصعوبة: فهو يدعم إسرائيل من جهة، ويواجه غضب قاعدة حزبه من جهة أخرى، بينما يظهر نتنياهو وكأنه يستخدم هذا الدعم ثم يهاجم الإدارة التي تقدمه.
ومع اتساع حجم الدمار وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا في غزة، لم يعد الدفاع عن سياسة نتنياهو سهلًا داخل الحزب الديمقراطي. انتقل الاعتراض من الجامعات والتظاهرات الشعبية إلى الكونغرس، وارتفعت الدعوات إلى ربط المساعدات العسكرية بشروط قانونية وحقوقية، وإلى التمييز بين دعم أمن إسرائيل وتأييد سياسات حكومتها.
الأكثر أهمية أن التحول لم يعد مقتصرًا على الديمقراطيين. فداخل الحزب الجمهوري نفسه ظهرت أصوات تسأل عن كلفة الالتزامات الأميركية الخارجية، وعن حدود العلاقة مع إسرائيل، وعن مدى انسجام سياسات نتنياهو مع المصالح الأميركية. وما كان يُعد قبل عقد خروجًا على الإجماع الجمهوري، أصبح اليوم جزءًا من نقاش أوسع داخل اليمين الأميركي، خاصة بين التيارات التي ترفع شعار «أميركا أولًا» وترفض الانخراط المفتوح في صراعات الشرق الأوسط.
هذه التحولات لا تعني أن التحالف الأميركي–الإسرائيلي سيتفكك قريبًا، فالعلاقة ما تزال تستند إلى تعاون عسكري واستخباراتي ومؤسسي عميق. لكنها تعني أن زمن الدعم التلقائي غير المشروط بدأ يواجه اختبارًا حقيقيًا، وأن إسرائيل لم تعد قادرة على افتراض أن جميع الإدارات والكونغرسات المقبلة ستتعامل معها بالطريقة نفسها.
لقد اعتقد نتنياهو أن قربه من الجمهوريين ومن ترمب يمنحه قوة إضافية، لكنه لم يدرك أن قوة إسرائيل في واشنطن لم تكن يومًا في علاقتها بحزب واحد، بل في قدرتها على البقاء فوق الانقسام الحزبي. وحين وضعها في صف سياسي واحد، جعلها عرضة لتغير الانتخابات والمزاج الشعبي وصعود أجيال أميركية جديدة لا تحمل التصورات القديمة نفسها.
قد ينجح نتنياهو في النجاة من أزمة داخلية أخرى، أو في تمديد بقائه السياسي، لكنه أضعف خلال سنوات حكمه الرصيد الأكثر قيمة لإسرائيل في الولايات المتحدة. لقد ربح دعمًا قويًا من جزء من أميركا، لكنه خسر تدريجيًا القدرة على مخاطبة أميركا كلها.
وهنا تكمن المفارقة: الرجل الذي قدم نفسه باعتباره الضامن الأكبر للتحالف مع واشنطن قد يكون هو نفسه من نقل هذا التحالف من الإجماع التاريخي إلى الانقسام، ومن الحصانة السياسية إلى النقاش والمساءلة، ومن «الدعم المطلق» إلى بداية عصر الشراكة المشروطة.

