صراحة نيوز- بقلم الكاتب والمحلل السياسي: زياد فرحان المجالي – عمّان
تحليل استراتيجي خاص — الجيوسياسية الشرق أوسطية
تتجه الأنظار نحو الممر المائي الأكثر أهمية وحساسية في شريان الطاقة العالمي، في ظل معطيات ميدانية ودبلوماسية واردة من مسقط وواشنطن تشير إلى اقتراب الإعلان عن تفاهم مؤقت لإعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة.
ويمثل هذا التطور، في حال اعتماده نهائيًا من المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، تحولًا تكتيكيًا مهمًا في قواعد الاشتباك التي حكمت مياه الخليج العربي خلال الأشهر الماضية؛ إذ تنتقل الأزمة من لغة الإغلاق والتهديد المباشر إلى صيغة تقوم على تنظيم المسارات، وتوزيع الأدوار الرقابية، وإدارة المخاطر بدلًا من الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
غير أن السؤال الأساسي لا يتعلق بفتح المضيق وحده، بل بما إذا كانت التفاهمات المرتقبة تؤسس فعلًا لقواعد ملاحية وأمنية جديدة، أم أنها لا تتجاوز استراحة جيوسياسية مؤقتة فرضتها ضغوط المواجهة ومخاوف اضطراب أسواق الطاقة العالمية.
النفوذ الرقابي والمسارات المزدوجة
تقوم المسودة المتبلورة بين طهران ومسقط، ضمن اتصالات وتحركات إقليمية ودولية موازية، على تحديد أكثر وضوحًا لمسارات السفن التجارية وناقلات النفط؛ بحيث تعبر السفن الداخلة إلى الخليج العربي عبر المسار الأقرب إلى السواحل الإيرانية، بينما تستخدم السفن المغادرة المسار الأقرب إلى المياه الإقليمية العُمانية.
وتمنح هذه الصيغة إيران دورًا رقابيًا في المسار الداخل، من دون أن تتضمن، وفق المعطيات المتداولة، فرض رسوم عبور أو عوائد مالية مباشرة على الملاحة الدولية.
وهنا يكمن المكسب الإيراني الأبرز؛ فطهران، وإن تراجعت عن الطروحات المتعلقة بتحصيل الأموال أو فرض غرامات على السفن، فإنها تسعى في المقابل إلى تثبيت نفسها طرفًا حاضرًا في أي ترتيبات أمنية وملاحية جديدة تخص المضيق. وبهذا تنتقل الأولوية الإيرانية من المكسب المالي المباشر إلى مكسب سياسي وأمني يمنحها حضورًا تفاوضيًا أكبر في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
ويُسقط هذا الإطار، بصورة عملية، المقترحات التي تداولتها أوساط إيرانية بشأن فرض غرامات تصل إلى 20 في المئة، أو اقتطاع نسب من قيمة حركة التجارة والطاقة العابرة للمضيق. ويبدو أن القيادة الإيرانية فضلت تجنب الذهاب بهذه المطالب إلى حدود قد تفتح الباب أمام مواجهة عسكرية أوسع، وخصوصًا إذا تعرضت الملاحة الدولية لاضطراب طويل الأمد.
أما سلطنة عُمان، فلا تظهر في هذه التفاهمات بوصفها وسيطًا محايدًا فحسب، بل طرفًا أساسيًا في إدارة المسار الملاحي الجنوبي وضمان التوازن بين ضفتي المضيق. وهو ما يعزز موقع مسقط الدبلوماسي، ويمنحها دورًا يجمع بين الوساطة السياسية والمساهمة العملية في تثبيت حرية الملاحة وخفض احتمالات التصعيد.
لكن صياغة ترتيبات ملاحية في ممر استراتيجي تحت ضغط التهديدات العسكرية لا تعني انتهاء الأزمة، بقدر ما تعني إعادة تنظيم المخاطر وخفض احتمالات الانفجار مؤقتًا، ما لم تُعالج الأسباب الجذرية للنزاع الإقليمي.
الدبلوماسية الإكراهية والردع الأميركي
لا يمكن فصل المرونة الإيرانية المرتقبة عن معادلة الضغط والردع التي مارستها واشنطن. فالتحذيرات الأميركية، وما رافقها من رسائل عن خيارات عسكرية واسعة في حال استمرار تعطيل الملاحة، كانت من العوامل التي دفعت القيادة الإيرانية إلى إعادة حساب تكلفة إبقاء المضيق مغلقًا أو مضطربًا لفترة طويلة.
وقد أدت احتمالات توسع المواجهة واستهداف قدرات عسكرية وبحرية ومنشآت استراتيجية إيرانية إلى تضييق هامش المناورة أمام طهران، خصوصًا في ظل التداعيات الاقتصادية الهائلة التي قد تترتب على أي حرب طويلة تمتد إلى منشآت الطاقة والموانئ وخطوط التجارة الإقليمية.
لكن ذلك لا يعني أن إيران قبلت بالشروط الأميركية من دون مقابل سياسي. فهي تحاول، وفق الصيغة المتداولة، تحويل تراجعها التكتيكي عن الإغلاق والرسوم إلى حضور رقابي وتفاوضي أكبر في الترتيبات المؤقتة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة اكتسابها حقًا قانونيًا دائمًا في تنظيم الملاحة الدولية أو مراقبتها.
وهذه نقطة جوهرية؛ لأن الترتيب المؤقت، مهما منح إيران من نفوذ عملي، لا ينبغي الخلط بينه وبين تكريس سيادة جديدة على المضيق أو تعديل القواعد القانونية التي تحكم حرية الملاحة الدولية.
ومن هنا يمكن قراءة التفاهم باعتباره نتيجة لمعادلة ضغط متبادلة: واشنطن استخدمت التهديد العسكري والضغط السياسي لحماية تدفق الطاقة، بينما استخدمت طهران قدرتها على تعطيل المضيق كورقة لرفع كلفة تجاهلها في أي تسوية أمنية إقليمية.
هشاشة مهلة الستين يومًا
تعكس المهلة المقترحة، والمحددة بنحو ستين يومًا، الطبيعة المؤقتة والهشة لهذا التفاهم. فهي توفر نافذة لخفض التوتر، وتهدئة أسواق الطاقة، وإعادة انتظام سلاسل الإمداد، لكنها لا تقدم حتى الآن حلًا نهائيًا للملفات الكبرى التي أشعلت المواجهة.
فالخلاف حول البرنامج النووي الإيراني لا يزال قائمًا، كما أن ملفات الصواريخ الباليستية، والنفوذ الإقليمي، والجماعات المسلحة، والعقوبات الاقتصادية، لم تدخل بعد في إطار تسوية شاملة تمنع عودة الأزمة إلى نقطة الصفر.
وتبدو فترة الستين يومًا أقرب إلى اختبار متبادل للنوايا منها إلى اتفاق مستقر. فواشنطن تريد التأكد من أن طهران ستلتزم بحرية الملاحة، وألا تتحول الترتيبات الرقابية إلى ذريعة لاعتراض السفن أو تعطيلها، في حين تريد إيران ضمان ألا تتحول عودتها عن الإغلاق إلى مقدمة لجولة جديدة من الضغوط أو العمليات العسكرية.
كما ستراقب دول الخليج العربي هذه المرحلة بحذر؛ لأنها معنية مباشرة بأي تغيير في قواعد الملاحة. فإعادة فتح المضيق ضرورة استراتيجية لاقتصادات المنطقة وصادراتها النفطية، لكن ذلك لا يلغي حساسيتها تجاه أي صيغة يمكن أن تتحول لاحقًا من ترتيب مؤقت إلى سابقة سياسية تمنح طرفًا واحدًا صلاحيات أوسع مما تم الاتفاق عليه.
وهنا تكمن إحدى أخطر نقاط الاختبار: الفرق بين الدور العملي المؤقت والحق الدائم. فإذا نجحت الأطراف في إبقاء هذا الفصل واضحًا، فقد تصبح المهلة فرصة لبناء تفاهم أوسع. أما إذا حاول أي طرف تحويل الإجراءات المؤقتة إلى امتياز دائم، فإن الأزمة قد تعود سريعًا بصورة أشد تعقيدًا.
سيناريوهات ما بعد الستين يومًا
إن استئناف حركة الملاحة، وبدء معالجة الألغام أو المخاطر البحرية بمشاركة أطراف إقليمية ودولية، لا يعنيان العودة التلقائية إلى حالة الاستقرار الشامل. بل إن المرحلة المقبلة ستكون اختبارًا حقيقيًا لقدرة الأطراف على الالتزام بالتفاهمات ومنع أي حادث بحري من التحول إلى شرارة لتصعيد جديد.
السيناريو الأول يتمثل في نجاح فترة الاختبار، والانتقال بعدها إلى اتفاق أمني أوسع يحدد بدقة أدوار إيران وعُمان، ويضع آليات واضحة لمراقبة الملاحة ومعالجة الحوادث وتسوية الخلافات الطارئة.
أما السيناريو الثاني، فيقوم على استمرار التفاهم المؤقت من دون حل الملفات السياسية الكبرى، بما يحول المضيق إلى ساحة تهدئة هشة، قابلة للاهتزاز مع كل تصعيد في الملف النووي أو العقوبات أو المواجهات الإقليمية.
في حين يبقى السيناريو الثالث، وهو الأكثر خطورة، مرتبطًا بفشل التنفيذ أو محاولة أحد الأطراف توسيع تفسير صلاحياته، الأمر الذي قد يعيد التهديدات العسكرية ويرفع احتمالات مواجهة جديدة داخل المضيق ومحيطه.
وهناك أيضًا سؤال لا يقل أهمية: ماذا سيحدث عندما تنتهي مهلة الستين يومًا إذا لم تكن الملفات السياسية الأوسع قد أحرزت تقدمًا؟
عندها لن يكون الاختبار متعلقًا بالملاحة وحدها، بل بقدرة واشنطن وطهران على مقاومة العودة إلى الأدوات القديمة نفسها: التهديد، والإغلاق، والعقوبات، والضغط العسكري.
الخلاصة
يمثل تفاهم مضيق هرمز خطوة متقدمة نحو إدارة الصراع، لكنه لا يرقى بعد إلى مستوى حل الصراع.
فالضغوط الأميركية ساهمت في دفع إيران نحو التراجع عن خيار الإغلاق والرسوم، بينما حاولت طهران تحويل هذا التراجع التكتيكي إلى مكسب سياسي يتمثل في تثبيت حضورها داخل الترتيبات المؤقتة للملاحة. وفي المقابل، عززت سلطنة عُمان مكانتها بوصفها وسيطًا وضامنًا وشريكًا أساسيًا في خفض التوتر وحماية حركة العبور.
لكن الاختبار الحقيقي لن يكون في لحظة فتح المضيق، بل في اليوم الذي تنتهي فيه مهلة الستين يومًا.
فإذا تحولت التهدئة إلى قواعد واضحة تحفظ حرية الملاحة وتمنع استخدام الجغرافيا أداة للضغط السياسي والعسكري، يمكن أن يشكل الاتفاق بداية لترتيب أمني أكثر استقرارًا في الخليج.
أما إذا بقيت الملفات الكبرى معلقة، فإن التفاهم لن يكون أكثر من هدنة بين جولتين.
المضيق قد يُفتح باتفاق مؤقت، لكن الاستقرار الحقيقي لن يتحقق إلا عندما تُعالج أسباب الصراع، وتتحول التفاهمات من استراحة جيوسياسية إلى قواعد واضحة ومستقرة تمنع المنطقة والعالم من الانزلاق مجددًا نحو كوارث اقتصادية وعسكرية لا تُحمد عقباها.
الكلمة مسؤولية.. والرؤية مستقبل — نكتب لنفهم، ونختلف لننير الطريق.

