صراحة نيوز – بقلم: زياد فرحان المجالي
لم تعد الإشاعة في زمن الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى شاهد، ولا إلى كاميرا، ولا حتى إلى واقعة حدثت أصلًا. بضغطة زر تستطيع اليوم أن تضع إنسانًا في مكان لم يدخله، وإلى جانب شخص لم يلتقه، وفي مناسبة لم يحضرها.
وبشيء من المبالغة التي تشرح خطورة ما وصلنا إليه: يستطيع الذكاء الاصطناعي أن «يعشّيك» الليلة مع رئيس الولايات المتحدة، و«يفطّرك» غدًا مع ملك بريطانيا، ويمنحك صورة تبدو للوهلة الأولى حقيقية، بينما لم تغادر أنت منزلك!
لهذا لم يعد السؤال: هل شاهدتم الصورة؟ بل: من صنعها؟ وما مصدرها؟ وهل هي حقيقية أصلًا؟
أقول ذلك وأنا أتابع ما جرى تداوله أخيرًا بشأن العين ووزير الداخلية ومدير الأمن العام الأسبق حسين هزاع المجالي، وما نشرته «جفرا نيوز» نقلًا عن مقربين منه من نفي لما أشيع حول حياته الشخصية.
وهنا لا أكتب دفاعًا عن خبر أو ردًا على حساب، بل دفاعًا عن قيمة أصبحت مهددة في زمن الفبركة الرقمية: سمعة الإنسان وحرمة أسرته.
أعرف حسين المجالي، وأعرف الرجل قبل المسؤول.
وأعرف فيه احترامه لنفسه، ولعائلته، ولأبنائه وأسرته، وأعرف منظومة الأخلاق التي حكمت سلوكه وعلاقاته وحياته العامة. ومن يعرف الرجل عن قرب يدرك أنه ليس من أولئك الذين يحتاجون كل صباح إلى إصدار بيان لنفي ما يكتبه هذا أو تنشره تلك.
حسين المجالي كتلة من الأخلاق والانضباط واحترام الذات والأسرة، وهذه ليست شهادة مرتبطة بمنصب شغله، بل معرفة برجل عاش حياته مدركًا أن اسم الإنسان مسؤولية، وأن العائلة ليست مادة للمزايدات، وأن المكانة العامة تفرض على صاحبها قدرًا أكبر، لا أقل، من الالتزام.
ومن حق أي شخص أن يختلف مع حسين المجالي.
من حقه أن يناقش مرحلة إدارته للأمن العام، أو أداءه وزيرًا للداخلية، أو أي موقف عام اتخذه. فتاريخ المسؤول العام ليس مقدسًا، والنقد حق مشروع.
لكن ما علاقة ذلك بعائلته؟
وما علاقة الاختلاف السياسي أو الشخصي باقتحام حياة الناس الخاصة؟
لكل صاحب حضور منافسون، ولكل شخصية عامة خصوم، وقد يكون لها حاسدون وكارهون. هذه طبيعة الحياة العامة. لكن الخصومة المحترمة تبحث في المواقف والقرارات، أما حين تعجز عن مقارعة الرجل في سجله وتذهب إلى حياته الخاصة، فإنها لا تنتقص منه بقدر ما تكشف مستوى أدواتها.
والأخطر اليوم أن الذكاء الاصطناعي جعل الكذب أكثر أناقة.
في الماضي كانت الإشاعة جملة مكتوبة. اليوم تستطيع أن تأتيك مرتدية ثوب «الصورة» و«الفيديو»، وقد تسمع صوتًا يشبه صوت الشخص وترى وجهًا يشبه وجهه، بينما يكون المشهد كله مصنوعًا أو مركبًا أو معدلًا.
لذلك علينا أن نصبح أذكى من الصورة.
لا يجوز أن تتحول هواتفنا إلى محاكم، وأن يصبح زر «إعادة الإرسال» حكمًا بالإدانة، وأن نهدم سمعة إنسان وعائلة لأن صورة مرت أمامنا على شاشة.
أما حسين هزاع المجالي، فسيرته أطول من عمر منشور.
الرجل خدم في القوات المسلحة، وتولى مواقع عسكرية وقيادية ودبلوماسية وأمنية، وكان سفيرًا للأردن، ومديرًا للأمن العام، ثم وزيرًا للداخلية. وهي محطات موثقة في سجل الدولة، وليست صورًا مصنوعة على شاشة هاتف.
ولذلك أعتقد أن الرجل أرفع من أن يدخل في مطاردة يومية مع الإشاعات.
فالذي يحترم نفسه لا يركض خلف كل من أساء إليه، والذي يحترم عائلته لا يضعها في سوق السجالات، والذي يعرف قيمة تاريخه لا يسمح لمنشور عابر أن يجرّه إلى المكان الذي يريده ناشر الإشاعة.
نحن اليوم أمام امتحان ليس لحسين المجالي، بل لنا نحن.
هل نصدق أعيننا لمجرد أنها رأت صورة، أم نستخدم عقولنا قبل أن نظلم إنسانًا؟
في زمن الذكاء الاصطناعي، يمكنهم تركيب الصورة، وتغيير الخلفية، ودمج الوجوه، وتقليد الأصوات، وصناعة المشهد.
لكن هناك شيئًا واحدًا يصعب تركيبه:
تاريخ الإنسان.
وحسين المجالي لديه من تاريخه، ومن احترامه لنفسه وأسرته وأبنائه، ما يجعله قادرًا على أن يترك الإشاعة تمر…
فالصور يمكن أن تُفبرك، أما الرجال فتعرّفهم سيرتهم.

