زيد العتوم يكتب في ظاهرة الجنرال

5 د للقراءة
5 د للقراءة
زيد العتوم يكتب في ظاهرة الجنرال

لماذا يستمع الأردنيون للجنرال…

صراحة نيوز- المحامي زيد العتوم

أتابع منذ فترة كما يتابع كثير من الأردنيين ظاهرة الحساب الذي يطلق على نفسه General Inspector أو الجنرال… هو يقول ان لديه شهادة MBA Political Science مع أني لم أسمع بهذا التخصص الأكاديمي من قبل … ولكن أعتقد أن السؤال الأهم ليس من هو الجنرال… ولا إن كانت كل المعلومات التي ينشرها صحيحة أو أن كل استنتاجاته دقيقة…السؤال الأهم …لماذا يحظى بكل هذا الاهتمام والثقة.

الجنرال في النهاية شخص لا نعرف اسمه…ولا نعرف مصادر معلوماته…ولا نعرف من أين يحصل على وثائقه… ولا توجد مؤسسة صحفية تقف خلفه وتتحمل مسؤولية ما ينشره… ومع ذلك ينتظر الناس ما يكتبه…يتداولون منشوراته… يشعر كثيرون بأنه يقول ما لا يقوله الآخرون.

وهنا أعتقد أن المسألة تستحق التوقف.

فالجنرال لم يخلق حاجة جديدة عند الأردنيين… الحاجة كانت موجودة أصلا… الناس تريد من يسأل…. تريد من يفتح الملفات… ويقرأ الوثائق… ويتابع القرارات…ويسأل لماذا حصل هذا؟ ومن المسؤول؟ وهل هذا القرار قانوني؟ وأين ذهبت الأموال؟ ولماذا لم تتم محاسبة أحد؟

وهذه بالمناسبة ليست وظيفة الجنرال أصلا… هذه في جزء كبير منها وظيفة مجلس النواب والصحافة والأحزاب ومؤسسات الرقابة.

فالنائب لديه من الأدوات الدستورية والقانونية ما هو أقوى بكثير من أي حساب على مواقع التواصل الاجتماعي… والصحفي المحترف لديه القدرة على التحقيق والوصول إلى الأطراف والتحقق من المعلومات… والحزب يفترض ألا يكتفي بكشف الخطأ… وإنما أن يقدم البديل كذلك…. ولكن عندما تضعف هذه الأدوات وتضعف الثقة بها… فإن الحاجة إليها لا تختفي… فالفراغ لا يبقى فراغاً…. وسيأتي من يملؤه.

وهنا ربما تكمن أهم رسالة في ظاهرة الجنرال…. فليس بالضرورة أن تكون كل طروحاته صحيحة… وقد تكون بعض الوثائق ناقصة… وبعض الاستنتاجات بحاجة إلى تدقيق… وقد نختلف معه في كثير مما يقول…. ونتفق معه بغيرها… ولكن نجاحه وانتشاره يخبرنا بشيء لا علاقة له بشخصه… الفكرة هي أن هناك مساحة رقابية واسعة يبحث الأردنيون عمن يملؤها.

وهذا يقودني إلى نقطة أعتقد أننا بحاجة إلى التفكير بها بهدوء…. إضعاف مجلس النواب لا يقوي الدولة…. وإضعاف الصحافة لا يحمي الدولة…. وضعف الأحزاب لن يلغي السياسة… وعدم إتاحة المنصات للمواطن لايصال المعلومة والتعامل معها بمسؤولية لن يلغي الاسئلة… لأن الأسئلة ستبقى موجودة… والغضب سيبقى موجود… والمعلومات ستجد طريقها إلى الناس… ولكن بدلاً من أن تمر عبر نائب معروف يمكن مساءلته… أو صحيفة لديها رئيس تحرير وقواعد مهنية… أو حزب يتحمل مسؤولية سياسية عن موقفه… ستنتقل المعلومة إلى حساب مجهول لا نعرف من يديره ولا كيف يتحقق مما ينشر.

وهنا تصبح المسألة أكثر خطورة وليس أقل…. الدولة القوية لا تحتاج إلى مؤسسات ضعيفة حولها… بل تحتاج إلى مؤسسات قوية تستطيع أن تستوعب النقد والغضب والأسئلة داخل النظام السياسي نفسه…. وأعتقد أن جزءاً من المشكلة التي تواجه الأحزاب الجديدة اليوم يبدأ من هنا أيضاً…. فنحن نطلب من الناس أن تثق بالأحزاب بينما الثقة بالعمل السياسي نفسه تراجعت عبر سنوات طويلة… ونطلب من الأحزاب أن تكون قوية بينما أحد أهم مصادر قوتها المستقبلية هو العمل النيابي الذي يعاني أصلاً من أزمة ثقة لدى الناس… الأحزاب في بداياتها ومن الطبيعي أن تخطئ وأن تتعلم وأن تحتاج إلى وقت حتى تنضج… ولكن من الصعب بناء حياة حزبية قوية فوق حياة نيابية ضعيفة…. فالحزب بالنسبة للمواطن يجب أن يظهر في النهاية من خلال نائب يسأل ويراقب ويحاسب ويشرع ويدافع عن موقف واضح ثم يعود إلى الناس ويقول لهم ماذا فعل…. وإذا لم يشعر المواطن بقيمة النائب فسيكون من الصعب إقناعه بقيمة الحزب الذي أوصله إلى البرلمان.

ربما لهذا السبب يعجب الأردنيون بالجنرال… ليس لأنهم يبحثون عن شخص مجهول يقودهم… وإنما لأنهم يبحثون عن وظيفة غابت أو ضعفت…. يريدون من يسأل بلا خوف… ومن يتابع بلا مجاملة… ومن يضع الوثيقة أمامهم ويلزم المسؤول بالإجابة تحت طائلة المسؤولية.

ولذلك ربما لا تكون الإجابة على ظاهرة الجنرال بمعرفة من هو ولا بمحاربته ولا حتى بالدفاع عنه…. الإجابة الحقيقية أن نستعيد الوظيفة التي جعلت الناس بحاجة إليه أصلا.

مجلس نواب أقوى… صحافة أكثر استقلالا ومهنية… أحزاب أكثر جرأة ومسؤولية… ومؤسسات رقابية يثق الناس بأنها تصل إلى النتيجة.

عندها سيبقى الجنرال وغيره جزءا طبيعيا من النقاش العام… ولن نحتاج إلى شخص مجهول حتى يقوم بالدور الذي أنشأنا مؤسسات كاملة من أجل القيام به.

شارك هذا المقال