صراحة نيوز – بقلم الإعلامي الدكتور محمد العشي
تشهد العاصمة عمّان ومختلف المدن الأردنية تطورًا عمرانيًا وتجاريًا لافتًا، انعكس في انتشار المجمعات التجارية الكبرى، والمراكز الترفيهية، والمنشآت العامة التي أصبحت مقصدًا للمواطنين والزوار والسياح. وفي هذه المنشآت، تُرصد استثمارات كبيرة في التصميم والهندسة والديكور والإضاءة والخدمات، بهدف تقديم تجربة متكاملة تتسم بالراحة والجودة، وتمنح الزائر انطباعًا بأن كل تفصيل قد وُضع بعناية.
لكن وسط هذه الصورة المتقدمة، تبرز مسألة تستحق التوقف عندها، لا باعتبارها انتقادًا لمنشأة بعينها، وإنما باعتبارها جزءًا من مفهوم الخدمة المتكاملة، وهي واقع المصليات والمرافق المرتبطة بها في بعض الأماكن العامة والتجارية.
فالمصلى، بالنسبة إلى كثير من الزوار، ليس مرفقًا إضافيًا يمكن الاستغناء عنه، وإنما حاجة أساسية خلال فترة وجودهم في المكان. ومن هنا تبدأ أهمية التخطيط له منذ المراحل الأولى لتصميم المنشأة، بحيث يكون موقعه مناسبًا، والوصول إليه واضحًا، والإرشادات المؤدية إليه ظاهرة للزائر، تمامًا كما تُحدد مسارات المواقف والمطاعم والمخارج ودورات المياه وغيرها من الخدمات.
وفي المنشآت الكبيرة تحديدًا، قد يصبح الوصول إلى المصلى تحديًا إذا كان موقعه بعيدًا أو غير واضح، أو إذا افتقرت الممرات إلى الإرشادات الكافية. وقد لا تمثل المسافة مشكلة بالنسبة إلى بعض الزوار، لكنها تصبح أكثر أهمية لكبار السن وذوي الإعاقة ومن يرافقون الأطفال، أو لمن يجدون صعوبة في الحركة. ولذلك فإن سهولة الوصول ليست مسألة رفاهية، وإنما جزء من مفهوم التصميم الذي يراعي مختلف مستخدمي المنشأة.
ولا تتوقف العناية بالمصلى عند موقعه وسهولة الوصول إليه، بل تمتد إلى البيئة الداخلية والمرافق التابعة له. فالمكان المخصص للصلاة يحتاج إلى مستوى من النظافة والصيانة ينسجم مع مستوى العناية الذي تحرص المنشأة على توفيره في بقية مرافقها. وتشمل هذه العناية أرضيات المصلى والسجاد وأماكن الوضوء ودورات المياه والإضاءة والتهوية والنظافة الدورية، بما يضمن بيئة نظيفة ولائقة ومريحة لمن يستخدمها.
ومن الجوانب التي تستحق الاهتمام كذلك درجة الحرارة والتهوية، خصوصًا خلال أشهر الصيف. فمن الطبيعي أن تحرص المنشآت الحديثة على توفير أنظمة تكييف وتبريد مناسبة لمساحاتها المختلفة، ولذلك ينبغي ألا تكون المساحة المخصصة للصلاة استثناءً من منظومة الراحة التي توفرها المنشأة لزوارها. فالمطلوب ليس رفاهية إضافية، وإنما ظروف مناسبة تمكن الإنسان من أداء صلاته في بيئة هادئة ومريحة.
كما أن تجهيز المصلى بما يتناسب مع أعداد المصلين في أوقات الذروة يمثل جانبًا مهمًا من جودة الخدمة، إلى جانب توفير الإضاءة المناسبة والصيانة الدورية، بحيث لا تتحول المساحة المخصصة للصلاة إلى مكان مزدحم أو تفتقر بعض مرافقه إلى التجهيز المطلوب.
ولا ينبغي أن تغيب عن هذه الصورة احتياجات النساء، إذ تحتاج مصلياتهن إلى مراعاة الخصوصية والمساحة المناسبة والنظافة والتهوية وسهولة الوصول، مع الانتباه إلى احتياجات الأمهات وكبيرات السن ومن يرافقن أطفالًا. فنجاح أي خدمة عامة يقاس بقدرتها على استيعاب اختلاف احتياجات مستخدميها، وليس بمجرد وجود المرفق من الناحية الشكلية.
ومن المهم أيضًا النظر إلى المصلى باعتباره جزءًا من تجربة الزائر كاملة. فالسائح أو المواطن الذي يدخل منشأة حديثة ويتلقى خدمات منظمة في مختلف مراحل زيارته، يتوقع بطبيعة الحال أن يجد المرافق الأساسية الأخرى بالمستوى ذاته من التنظيم والعناية. وهنا يصبح الاهتمام بالمصليات جزءًا من الصورة الحضارية للمنشأة، وليس مسألة منفصلة عن بقية الخدمات.
ومن الإنصاف التأكيد أن هذا الطرح لا يعني أن جميع المنشآت تعاني المشكلة ذاتها. فهناك منشآت أردنية تقدم نماذج متميزة في العناية بالمصليات، من حيث النظافة والتنظيم وسهولة الوصول والتجهيز، وهي نماذج تستحق الإشادة والتقدير ويمكن الاستفادة من تجربتها. لكن تفاوت مستوى الخدمة من مكان إلى آخر يفتح الباب أمام سؤال مشروع: هل يمكن الوصول إلى مستوى واضح من المعايير التي تضمن خدمة مناسبة للمصليات في المنشآت التي تستقبل أعدادًا كبيرة من الجمهور؟
وهنا يأتي دور التكامل بين إدارات المنشآت والجهات المعنية بالتنظيم والرقابة. فليس المقصود تحميل طرف واحد المسؤولية، وإنما وضع تصور عملي يحدد الحد المناسب من المتطلبات المتعلقة بالموقع، وسهولة الوصول، والإرشادات، والنظافة، ومرافق الوضوء، والتهوية والتكييف، والصيانة، ومتطلبات الوصول للأشخاص ذوي الإعاقة، وخصوصية مصليات النساء، بما يتناسب مع طبيعة المنشأة وحجمها وعدد مرتاديها.
كما أن المتابعة الدورية لهذه الجوانب يمكن أن تجعل الاهتمام بالمصلى جزءًا من ثقافة جودة الخدمة، بحيث لا يتوقف الأمر على اجتهاد إدارة معينة أو حرص شخصي من العاملين فيها. فالمنشآت التي تستثمر في راحة الزائر وجودة تجربته يمكنها أن تنظر إلى هذه المسألة باعتبارها فرصة لتعزيز مستوى الخدمة، لا باعتبارها عبئًا إضافيًا.
وفي هذا السياق، فإن الحديث عن المعايير لا يعني بالضرورة فرض نموذج واحد على جميع المنشآت، فاحتياجات مركز تجاري كبير تختلف عن منشأة أصغر، كما تختلف طبيعة الأماكن الترفيهية والسياحية والعامة. لكن وجود إطار عام يحدد المبادئ الأساسية، مع ترك مساحة للتطبيق وفق طبيعة كل منشأة، قد يكون خطوة عملية نحو تحقيق مستوى أكثر اتساقًا في الخدمة.
إن القضية في جوهرها ليست دعوة إلى زيادة مظاهر الفخامة، ولا مطالبة بإنفاق مبالغ كبيرة على مرفق إضافي، وإنما هي دعوة إلى إعادة ترتيب مفهوم الأولويات. فالمنشأة التي تنفق على أدق التفاصيل التي تصنع تجربة الزائر، تستطيع أيضًا أن تنظر إلى احتياجاته الأساسية باعتبارها جزءًا من تلك التجربة.
وفي الأردن، حيث تتداخل الهوية العربية والإسلامية مع الحياة العامة، وتستقبل المنشآت التجارية والسياحية مواطنين وزوارًا من مختلف الدول، فإن توفير مكان مناسب لأداء الصلاة يمثل صورة من صور احترام المجتمع وثقافته واحتياجات أفراده، وهو في الوقت ذاته رسالة حضارية تعكس قدرة المكان على الجمع بين الحداثة والخصوصية الثقافية.
والفخامة الحقيقية، في نهاية المطاف، لا تُقاس فقط بحجم المبنى، أو جودة الرخام، أو جمال الإضاءة، أو اتساع المساحات، وإنما بمدى قدرة المكان على أن يجعل الإنسان يشعر بأن احتياجاته موضع اهتمام، وأن التفاصيل التي قد تبدو صغيرة في نظر البعض ليست صغيرة بالنسبة لمن يعتمد عليها.
ومن هنا، فإن ما نطرحه اليوم هو دعوة هادئة إلى مراجعة واقع المصليات في الأماكن العامة والتجارية، والاستفادة من النماذج الناجحة، وتعزيز التعاون بين إدارات المنشآت والجهات التنظيمية والرقابية، بما يضمن وجود مرافق تليق بمستخدميها، وتنسجم مع مستوى التطور الذي وصلت إليه منشآتنا.
وفي هذا السياق، نتطلع إلى أن تحظى هذه المسألة بمزيد من الاهتمام لدى الجهات الرسمية المعنية، وأن يُنظر في وضع معايير أو اشتراطات مناسبة لطبيعة المنشآت، تتناول موقع المصلى وتجهيزاته ونظافته وسهولة الوصول إليه ومرافق الوضوء والتهوية والتكييف، وأن تؤخذ هذه الجوانب بعين الاعتبار ضمن منظومة الجودة والمتابعة، وبما يتوافق مع الأنظمة والتعليمات المعمول بها، وبالتوازي مع مسؤولية إدارات المنشآت في توفير بيئة تليق بمرتاديها.
وفي النهاية، فإن احترام المصلى لا يعني فقط احترام المكان الذي تؤدى فيه الصلاة، بل يعني احترام الإنسان الذي يقصده.
وربما آن الأوان لأن نطرح السؤال ببساطة: إذا كنا قادرين على بناء منشآت بهذه الفخامة، وتوفير كل هذه التفاصيل من أجل راحة الزائر، فما الذي يمنعنا من أن نمنح المصلي مكانًا نظيفًا ومريحًا وسهل الوصول، يليق بصلاته ويحترم عبادته؟

