صراحة نيوز – عبّر أعضاء منتدى الابتكار والتنمية عن تأييدهم لدعوة المنتدى إلى إدراج منظومتي النقل والمرور ضمن مسار تحديث وطني متكامل، يحظى بمستوى اهتمام يتناسب مع تأثيرهما المباشر في حياة المواطنين والاقتصاد والسلامة العامة والتنمية ومستقبل الدولة، أسوة بمسارات التحديث السياسية والاقتصادية والإدارية والقضائية.
وجاء موقف أعضاء المنتدى بعد طرح الدعوة للنقاش وإجراء استطلاع داخلي حولها، أظهر تأييد 60 عضواً للدعوة، مقابل عضو واحد اختار “ضد ولا أؤيد”، فيما لم يسجل خيار “لا أرى فرق” أي أصوات، في مؤشر واضح على تفاعل أعضاء المنتدى مع القضايا الوطنية التي يطرحها، ومشاركتهم الفعلية في بلورة مواقفه ومبادراته.
وأكد المنتدى أن هذه النتيجة لا تُقرأ باعتبارها مجرد أرقام في استطلاع، وإنما باعتبارها تعبيراً عن روح المشاركة التي يقوم عليها المنتدى، حيث لا تُطرح الأفكار باعتبارها مواقف فردية، بل تُعرض للحوار والنقاش والاستماع إلى مختلف الآراء قبل تطويرها وتحويلها إلى مقترحات قابلة للبحث والتنفيذ.
وقال أعضاء المنتدى إن دعوتهم لا تعني غياب قطاع النقل عن أجندة التحديث، إذ إنه حاضر ضمن محور التحديث الاقتصادي، إلى جانب وجود استراتيجيات وخطط ومشروعات حكومية قائمة، وإنما تنطلق من حقيقة أن النقل والمرور يتجاوزان مفهوم القطاع الخدمي، لارتباطهما اليومي بحركة المواطنين والسلع والخدمات وبمختلف القطاعات التنموية.
وأشاروا إلى أن المطلوب ليس إنشاء استراتيجية جديدة تضاف إلى الاستراتيجيات القائمة، وإنما تحديث المنظومة ككل وربط مكوناتها ضمن رؤية وطنية واحدة تشمل التخطيط والتشريع والبنية التحتية والتشغيل والرقابة والبيانات والتحول الرقمي والسلامة المرورية، بحيث يقاس نجاحها بما ينعكس فعلياً على رحلة المواطن، وكفاءة الحركة، ومستوى السلامة.
وأكد أعضاء المنتدى أن النقل العام لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مجرد حافلات وخطوط، كما أن المرور لا يختزل في المخالفات، موضحين أن رحلة المواطن تبدأ قبل صعوده إلى وسيلة النقل، من معرفة المسار والمحطة وموعد الانطلاق والتردد ووقت الوصول، وتمتد إلى سهولة الانتقال بين الوسائط وإمكانية الحصول على المعلومات بصورة فورية.
وبينوا أن عدم انتظام الخدمة وصعوبة التنبؤ بمواعيد النقل يدفعان إلى الاعتماد بصورة أكبر على المركبات الخاصة، الأمر الذي يزيد الضغط على شبكة الطرق ويعقد إدارة الحركة، فيما تؤدي الاختناقات والتوقفات غير المنظمة والحوادث إلى استنزاف الوقت والوقود ورفع كلفة التنقل على المواطنين والاقتصاد.
وشددوا على أن قابلية التنبؤ بالرحلة يجب أن تصبح معياراً أساسياً في تقييم النقل العام، بحيث يستطيع المواطن معرفة موعد المغادرة، ومكان الصعود والنزول، ومدة الرحلة المتوقعة، والبدائل المتاحة في حال حدوث تأخير.
ودعا المنتدى إلى تطوير منصة رقمية وطنية موحدة للنقل العام، توفر للمستخدم معلومات الخطوط والمحطات والمواعيد والترددات، وموقع المركبات عند توفر التتبع، ووقت الوصول التقديري، وإمكانية الانتقال بين الخطوط ووسائط النقل المختلفة.
وأوضح أعضاء المنتدى أن هذه المتطلبات ليست ترفاً تقنياً، بل جزء من الخدمة نفسها، لأن النقل الذي لا يستطيع المواطن التنبؤ بموعده يصعب أن يكون خياراً عملياً منتظماً للعمل أو الدراسة أو المواعيد اليومية.
وأضافوا أن تحسين النقل العام لا يتحقق بزيادة أعداد الحافلات فقط، وإنما ببناء خدمة تتميز بالانتظام والموثوقية والوقت والتكامل، بحيث يصبح استخدام النقل العام خياراً قابلاً للتخطيط، وليس تجربة مرتبطة بالانتظار غير المحدد.
وفي الجانب المروري، دعا المنتدى إلى الانتقال تدريجياً من مفهوم التعامل مع المخالفة بعد وقوعها إلى منظومة وقائية تستهدف منع الحادث قبل وقوعه، من خلال تحليل بيانات الحوادث، وتحديد النقاط عالية الخطورة، والرصد الذكي، وتحسين هندسة الطرق، وإدارة السرعات، وتعزيز الرقابة على السلوكيات المرورية الخطرة.
وأشار أعضاء المنتدى إلى أن بعض السلوكيات، مثل تغيير المسرب بصورة مفاجئة، والتجاوز الخطر، والسرعة المفرطة، والقيادة العدوانية، واستخدام الطريق بطريقة تعرض حياة الآخرين لخطر جسيم، تحتاج إلى معالجة تتجاوز مفهوم المخالفة الإدارية عندما تتوافر فيها عناصر التعمد والخطورة الجسيمة.
وفي هذا السياق، اقترح المنتدى دراسة تحديث تشريعي يميز بوضوح بين الحوادث الناتجة عن الخطأ أو الإهمال غير المقصود، وبين السلوكيات المرورية المتعمدة التي تنطوي على تعريض متعمد وجسيم لحياة الآخرين للخطر.
وشددوا على أن المقترح لا يعني اعتبار كل حادث مروري جريمة قتل، ولا تحويل الأخطاء البشرية إلى جرائم جسيمة، وإنما وضع معايير قانونية دقيقة تتيح، عند ثبوت الوقائع والأدلة وتوافر الأركان القانونية، تحديد الوصف الجرمي المناسب لكل حالة، بما في ذلك بحث مدى انطباق أحكام الشروع بالقتل في الحالات التي تتوافر فيها أركانه وفق القانون.
كما دعا المنتدى إلى دراسة تشديد المسؤولية في الحالات التي يثبت فيها قضائياً أن سلوكاً مرورياً متعمداً وخطراً أدى إلى وفاة، مع ترك تحديد الوصف الجرمي والعقوبة للقانون والقضاء وفق الأركان والإثباتات.
وأكد أعضاء المنتدى أهمية تعزيز منظومة الحق العام في الجرائم المرورية الجسيمة، بما يضمن التعامل مع الأفعال التي تستوجب المساءلة العامة وفق أحكام القانون، وعدم اختزالها في بعدها الاجتماعي أو في معالجة الحق الخاص وحده.
وبينوا أن تحديث النقل والمرور يرتبط بصورة مباشرة بمختلف مسارات التنمية، إذ يحتاج الموظف إلى الوصول في وقت محدد، والطالب إلى وسيلة نقل يمكن الاعتماد عليها، والمريض إلى الوصول الآمن إلى الخدمة الصحية، والقطاع السياحي إلى حركة سلسة بين المطارات والمدن والمواقع السياحية، فيما تحتاج المنشآت والقطاعات الاقتصادية إلى حركة منتظمة للأفراد والبضائع.
وأشاروا إلى أن كفاءة النقل تنعكس كذلك على الاقتصاد والبيئة، من خلال تقليل الوقت والوقود المهدورين في الرحلات والاختناقات، وتحسين استخدام المركبات، وزيادة جاذبية النقل الجماعي، ورفع كفاءة حركة الأشخاص والبضائع.
وقال المنتدى إن الاستثمار في النقل والمرور هو استثمار في وقت المواطن وإنتاجيته وسلامته وكفاءة الاقتصاد وجودة الحياة، وليس مجرد إنفاق على الطرق والحافلات والبنية التحتية.
وأكد أن التحديث المطلوب يجب أن يبنى على ما هو قائم، وأن يبدأ بتحديد الفجوات بين الخطط والتطبيق، ثم وضع مؤشرات أداء قابلة للقياس تشمل انتظام الخدمة، وموثوقية المواعيد، وزمن الرحلة، وسهولة الانتقال بين وسائط النقل، ومستوى السلامة، وأداء الطرق، وسرعة الاستجابة للحوادث.
ولفت أعضاء المنتدى إلى أن المواطن لا يقيس نجاح الاستراتيجية بعدد صفحاتها، وإنما بقدرته على الوصول إلى عمله أو جامعته في وقت يمكن توقعه، واستخدام النقل العام دون انتظار غير محدد، والوصول إلى وجهته بأمان وكفاءة.
ودعوا إلى بناء منظومة بيانات وطنية مترابطة للنقل والمرور، تجمع البيانات التشغيلية والمرورية والحوادث والطرق والنقل العام، وتتيح تحليلها بصورة مستمرة لدعم القرار المبني على الأدلة، مع مراعاة حماية البيانات والخصوصية.
وأكد المنتدى أن إدراج النقل والمرور ضمن مسار تحديث وطني رفيع المستوى لا يتعارض مع وجود النقل ضمن رؤية التحديث الاقتصادي، بل يعكس الطبيعة العابرة للقطاعات لهذه المنظومة، وتأثيرها المباشر في نجاح بقية مسارات التحديث.
وقال أعضاء المنتدى إن الأردن، وهو يمضي في تحديث منظوماته السياسية والاقتصادية والإدارية والقضائية، يحتاج أيضاً إلى تطوير المنظومة التي تحرك المواطن والعامل والطالب والسائح والسلعة والخدمة بصورة يومية.
وأضافوا: “نحن لا نتحدث عن تحديث الحافلات والطرق فقط؛ نحن نتحدث عن تحديث الطريقة التي يتحرك بها الأردن.”
وأشاد المنتدى بالتفاعل الذي أبداه أعضاؤه مع الدعوة، مؤكداً أن مشاركة 61 عضواً في الاستطلاع، وتأييد 60 منهم للمقترح، يعكس الحماس الذي يحمله أعضاء المنتدى تجاه القضايا الوطنية، ويؤكد أن المنتدى يملك طاقة فكرية ومجموعة من أصحاب الاختصاص والخبرة والأفكار القادرة على الإسهام في النقاش الوطني عندما تتوافر لها مساحة للحوار والعمل.
وأكد المنتدى أن أعضاءه ليسوا مجرد متابعين لما يطرحه، وإنما شركاء في صناعة أفكاره وتحديد أولوياته وتطوير مقترحاته، وأن اختلاف الرأي داخل المنتدى مرحب به، لأنه جزء من قيمة الحوار، فيما تُبنى المواقف بعد الاستماع والنقاش ودراسة الموضوع من جوانبه المختلفة.
وأشاروا إلى أن المنتدى يسعى إلى أن يكون مساحة تجمع الأكاديميين والخبراء وأصحاب الأفكار والمبادرات، وتمنح كل عضو فرصة لأن يرى فكرته وهي تنتقل من مجرد ملاحظة أو تساؤل إلى حوار، ثم دراسة، ثم مقترح، وربما مشروع قابل للتطبيق والأثر.
وقال أعضاء المنتدى إن هذه الروح هي التي يريدون الحفاظ عليها وتوسيعها، مؤكدين أن قوة المنتدى الحقيقية ليست في اسم شخص أو موقع فرد، وإنما في العقول التي اجتمعت فيه، وفي قدرتها على التفكير معاً، والاختلاف باحترام، وإيجاد حلول عملية للقضايا الوطنية.
وأضافوا أن فلسفة المنتدى تقوم على معادلة واضحة: الفكرة، الحوار، الدراسة، المشروع، الأثر، وأن كل عضو لديه القدرة على أن يكون صاحب فكرة وصوتاً في الحوار وشريكاً في صناعة الأثر.
وختم منتدى الابتكار والتنمية بالتأكيد أن دعوته إلى تحديث منظومتي النقل والمرور تنطلق من اعتبار الطريق والحافلة والمحطة والبيانات والتشريع والسلامة والوقت مكونات مترابطة لمنظومة واحدة، ومن كون النقل والمرور بنية أساسية لنجاح مسارات التحديث الأخرى، وتحسين حياة الأردنيين وتعزيز كفاءة الدولة وقدرتها على تحقيق التنمية.

