صراحة نيوز – بقلم: المحامي حسام العجوري
لم يكن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة خطاب دولة تقف على هامش الأحداث، ولا كلمة دبلوماسية عابرة تُقال ثم تُطوى صفحاتها؛ كان خطاب دولة تعرف حجمها، وتدرك موقعها، وتعرف أن الصمت في لحظات الظلم ليس حياداً، وأن الدبلوماسية لا تعني التنازل عن الحق.
من نيويورك، وقف الأردن بصوته الهاشمي ليضع المجتمع الدولي أمام الحقيقة التي حاول طويلاً تأجيلها: فلسطين ليست أزمة إنسانية مؤقتة، وليست خبراً عابراً يتراجع عندما تنطفئ الكاميرات، وإنما قضية شعب يُحاصر ويُقتل ويُهجّر، وحقوق تُنتهك أمام عالم يمتلك الأدوات ولا يستخدمها بالقدر الذي تفرضه العدالة.
وكانت قوة الخطاب في أن جلالة الملك لم يكتفِ بوصف المأساة، بل وجّه السؤال إلى أصحاب القرار: ماذا بقي من القانون الدولي إذا كان يمكن انتهاكه لعقود؟ وما قيمة القرارات الدولية إذا بقيت، عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، مجرد حبر على ورق؟
لقد وضع الملك المجتمع الدولي أمام مسؤوليته الأخلاقية والسياسية والقانونية، وأكد أن التقاعس عن حماية الشعوب لا يمكن أن يبقى سياسة دائمة، وأن العالم الذي يمتلك أدوات التأثير لا يستطيع أن يتعامل مع معاناة البشر وكأنها ملفات مؤجلة إلى أجل غير مسمى.
وفي فلسطين، جاءت رسالة الأردن صريحة لا تحتمل التأويل.
ما يجري في غزة، وفق ما عرضه جلالته، لم يعد يمكن اختزاله في مصطلحات الحرب وتبعاتها؛ فالتدمير، والحصار، واستهداف المدنيين والبنية التحتية، والاعتداء على المستشفيات الميدانية الأردنية، كلها وقائع تستدعي المساءلة، لا بيانات القلق المتكررة.
أما الضفة الغربية، فلم يسمح الملك بأن تختفي قضيتها خلف دخان غزة. تحدث عن الاستيطان، ومصادرة الأراضي، وعنف المستوطنين، وهدم المنازل، وتهجير العائلات، مؤكداً أن ما يجري ليس أحداثاً متفرقة، بل مساراً يهدد وجود الشعب الفلسطيني على أرضه.
وهنا كانت الرسالة الأخطر: غزة والضفة ليستا قضيتين منفصلتين؛ إنهما جغرافيا واحدة وقضية واحدة وحق واحد.
فالقتل والتدمير في غزة، والاستيطان ومصادرة الأرض والتهجير في الضفة، لا ينبغي أن يتحول أي منها إلى واقع معتاد لمجرد أن العالم اعتاد مشاهدته.
لكن خطاب الملك لم يكن موجهاً إلى فلسطين وحدها.
لقد دعا العالم، بصورة واضحة، إلى أن ينتبه إلى قضايا الشعوب، وأن يعيد النظر في الطريقة التي يتعامل بها المجتمع الدولي مع الأزمات الإنسانية والسياسية، وألا ينتظر حتى تتحول المآسي إلى انفجارات يصعب احتواؤها.
كان في الخطاب نداء يشبه جرس الإنذار: انتبهوا لما يحدث للشعوب قبل أن يصبح الظلم واقعاً دائماً، وانتبهوا لانهيار الثقة بالقانون الدولي قبل أن يتحول ذلك إلى انهيار في منظومة العلاقات الدولية نفسها.
فالملك وضع العالم أمام حقيقة بالغة الخطورة: عندما يشعر شعب بأن القانون لا يحميه، وأن القرارات الدولية لا تنصفه، وأن المجتمع الدولي يسمع صوته ثم يمضي دون أن يفعل شيئاً، فإن الخطر لا يبقى محصوراً في حدود ذلك الشعب أو تلك المنطقة؛ بل يمتد إلى ثقة البشرية كلها بمؤسساتها وقوانينها.
وهنا تتجاوز رسالة الأردن حدود فلسطين، لتصبح رسالة إنسانية وسياسية إلى العالم بأسره: انظروا إلى الشعوب، اسمعوا أصواتها، واحموا حقوقها قبل أن يصبح تجاهلها ثمناً تدفعه الإنسانية جمعاء.
والأردن في هذا المشهد لا يتحدث من موقع المتفرج.
إنه بلد يعرف معنى أن تكون الحدود جزءاً من الأمن الوطني، ويعرف أن أمن المنطقة لا ينفصل عن أمنه. ولذلك جاءت رسالة الملك بشأن أمن الأردن ومصالحه الوطنية واضحة وحاسمة: الأردن لن يشيح بنظره عن أي تهديد يمس حدوده أو أمنه أو مياهه.
وهذه ليست لغة انفعال، بل لغة دولة.
دولة تقول إنها متمسكة بالدبلوماسية، لكنها في الوقت نفسه تعرف أن الدبلوماسية ليست ضعفاً، وأن الانفتاح على الحوار لا يعني قبول المساس بالسيادة أو الأمن أو المصالح الوطنية.
لقد تحدث الملك عن الأردن كما ينبغي أن تتحدث الدول الواثقة من نفسها: دولة تدعم السلام، لكنها لا تقبل سلاماً بلا عدالة؛ دولة تؤمن بالحوار، لكنها لا تقبل أن يتحول الحوار إلى غطاء لاستمرار الظلم؛ دولة تقف مع الشعب الفلسطيني، وتدعم صموده، وتحمل أمانة الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
والأهم أن الأردن لم يطلب من العالم أن يمنحه دوراً، بل أكد أنه سيواصل القيام بدوره.
في زمن تتغير فيه المواقف بتغير المصالح، بقي الأردن واضحاً في القضية الفلسطينية، وبقي صوته حاضراً في المحافل الدولية، لا بحثاً عن التصفيق، وإنما دفاعاً عن قضية يرى فيها حقاً وعدالة وكرامة إنسانية.
لقد كان خطاب الملك رسالة إلى إسرائيل، لكنه كان أيضاً رسالة إلى العالم كله: لا يمكن أن تستمر سياسة الإفلات من العقاب إلى ما لا نهاية.
فالذي يحدث اليوم لا ينبغي أن يصبح قاعدة الغد.
والاحتلال لا يصبح شرعياً بطول الزمن، والاستيطان لا يصبح قانونياً بكثرة المستوطنات، والتهجير لا يصبح مقبولاً لأن العالم شاهده طويلاً، والقتل لا يفقد بشاعته لأن الأخبار ازدحمت بغيره.
ومن هنا جاءت قوة الخطاب.
فالملك لم يرفع صوته فقط دفاعاً عن فلسطين؛ بل وضع العالم أمام مرآته، وسأله عن مستقبل منظومة أراد لها أن تقوم على القانون والعدالة وحقوق الإنسان.
هل القانون الدولي قانون للجميع، أم أن هناك شعوباً تطبق عليها القوانين، وشعوباً يمكن أن تنتظر العدالة إلى ما لا نهاية؟
وهل يستطيع العالم أن يطالب الشعوب باحترام القانون، بينما يرى شعوباً أخرى تُحرم من أبسط حقوقها دون أن تتحرك أدواته بالفاعلية نفسها؟
إنها أسئلة لم يطرحها الأردن من موقع الضعف، بل من موقع دولة تعرف أن قوة الموقف ليست دائماً في ارتفاع الصوت، وإنما في القدرة على قول الحقيقة عندما يصبح قولها مكلفاً.
لقد تحدث الملك باسم الأردن، لكن صدى كلماته تجاوز حدود الأردن.
تحدث عن فلسطين، وعن غزة، وعن القدس، وعن الضفة، وعن القانون الدولي، وعن كرامة الشعوب، وعن عالم لا يجوز أن يتعامل مع مآسي البشر وفق مقدار الاهتمام الإعلامي بها.
وكانت الرسالة الأعمق أن تجاهل معاناة الشعوب ليس مجرد تقصير أخلاقي عابر؛ بل خطر على مستقبل العالم نفسه.
فالعدالة حين تكون انتقائية تفقد معناها، والقانون حين يُطبق بمعايير مختلفة يفقد هيبته، والمؤسسات الدولية حين تعجز عن حماية الإنسان تفقد شيئاً من ثقة الإنسان بها.
وهنا تحديداً تكمن قوة الرسالة الأردنية.
الأردن لم يأتِ إلى الأمم المتحدة ليقف متفرجاً على العالم، بل ليقول للعالم: انتبهوا.
انتبهوا إلى فلسطين قبل أن تصبح المأساة أكثر اتساعاً.
انتبهوا إلى الشعوب التي تبحث عن العدالة.
انتبهوا إلى القانون الدولي قبل أن تتآكل الثقة به.
وانتبهوا إلى أن العالم لا يستطيع أن يبقى آمناً إذا بقي الظلم بلا معالجة.
لقد كان خطاب الملك لحظة وضع فيها الأردن المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، وأمام مرآة لا تخفي شيئاً.
وفي النهاية، كانت الرسالة واضحة وقوية:
فلسطين ليست وحدها.
والقدس ليست منسية.
والشعوب ليست أرقاماً في بيانات المنظمات الدولية.
والأردن ليس غافلاً عن أمنه ومصالحه.
والحق لا يسقط بالتقادم.
والقانون الدولي لا ينبغي أن يكون انتقائياً.
والمجتمع الدولي لا يستطيع بعد اليوم أن يقول إنه لم يرَ ولم يسمع.
فعندما يتحدث الأردن من موقع الثبات، ويتحدث الملك من موقع المسؤولية، فإن صدى الكلمة لا يتوقف عند حدود القاعة.
إنها كلمة دولة تقول للعالم: انظروا جيداً… فعيون الشعوب تراقب، والتاريخ يسجل، وما يُترك بلا عدالة اليوم قد يصبح سؤالاً أكبر على العالم غداً.

