دُمُوعُكِ يَا نُورُ أَدْمَتِ القُلُوبَ

3 د للقراءة
3 د للقراءة
دُمُوعُكِ يَا نُورُ أَدْمَتِ القُلُوبَ

صراحة نيوز – بِقَلَمِ الدُّكْتُورِ أَحْمَدَ الجَدَايَةِ

صَوْتٌ وَاحِدٌ عَبْرَ أَثِيرِ الإِذَاعَةِ كَانَ كَفِيلًا بِتَهْشِيمِ كُلِّ الأَدَبِيَّاتِ الِاسْتِعْرَاضِيَّةِ الَّتِي نَتَرَنَّمُ بِهَا عَنِ التَّكَافُلِ وَالتَّضَامُنِ الإِنْسَانِيِّ. لَمْ تَكُنْ “نُورُ” تَبْكِي بِانْهِيَارٍ مَسْرَحِيٍّ؛ فَالَّذِينَ يُصَارِعُونَ المَرَضَ الخَبِيثَ فِي أَطْرَافِ المَفْرَقِ المَنْسِيَّةِ لَا يَمْلِكُونَ تَرَفَ البُكَاءِ الِاسْتِعْرَاضِيِّ. كَانَتْ تَشْرَحُ، بِبُرُودِ الفَاجِعَةِ وَوَجَعِ الغُصَّةِ، كَيْفَ يَمْضِي الوَقْتُ فِي غُرْفَةٍ مُؤَجَّرَةٍ تَضُمُّ جَسَدَيْنِ مُتَآكِلَيْنِ: جَسَدَهَا النَّاحِلَ المُقَاوِمَ لِلسَّرَطَانِ، وَجَسَدَ وَالِدِهَا العَجُوزِ المُنْهَكَ بِعِلَّةِ القَلْبِ.
خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ دِينَارًا شَهْرِيًّا مِنْ صُنْدُوقِ المَعُونَةِ الوَطَنِيِّ. هَذَا لَيْسَ رَقَمًا إِحْصَائِيًّا فِي تَقْرِيرٍ حُكُومِيٍّ، بَلْ هُوَ السَّقْفُ المَالِيُّ المَسْمُوحُ بِهِ لِعَيْشِ إِنْسَانَيْنِ عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ. الرِّيَاضِيَّاتُ هُنَا صَرِيحَةٌ وَقَاسِيَةٌ: إِنْ دُفِعَ أُجَارُ الغُرْفَةِ، سَقَطَ الخَبْزُ. وَإِنِ اشْتُرِيَ دَوَاءُ القَلْبِ، سَقَطَتْ تَذْكَرَةُ الحَافِلَةِ الَّتِي تَنْقُلُ مَرِيضَةَ السَّرَطَانِ مِنْ المَفْرَقِ إِلَى مَرْكَزِ الحُسَيْنِ فِي عَمَّانَ لِتَلَقِّي جُرَعَاتِ الكِيمَاوِيِّ. الجُرَعَاتُ تَنْتَظِرُ فِي العَاصِمَةِ، وَالجَسَدُ يَتَآكَلُ فِي أَطْرَافِ المَدِينَةِ، لِأَنَّ المَسَافَةَ بَيْنَ الحَيَاةِ وَالعِلَاجِ تُقَاسُ بِالدَّنَانِيرِ لَا بِالنَّوَايَا الحَسَنَةِ.
فِي الأَحْيَاءِ المُتْرَفَةِ، تَخُوضُ سِلَالُ المُهْمَلَاتِ مَعْرَكَةً يَوْمِيَّةً مَعَ الفَائِضِ؛ أَطْبَاقٌ كَامِلَةٌ وَطَعَامٌ مِمَّا طَابَ وَلَذَّ يُلْقَى لِأَنَّ أَصْحَابَهَا أَصَابَتْهُمُ التَّخَمَةُ. أَمَّا فِي أَطْرَافِ المَفْرَقِ، فَالصِّرَاعُ لَيْسَ عَلَى مَا فِي الحَاوِيَاتِ، بَلْ عَلَى أَنَّ المَوَائِدَ نَفْسَهَا فَارِغَةٌ؛ إِذْ لَا يَمْلِكُ الأَهَالِي هُنَاكَ فَائِضًا لِيَسْتَغْنُوا عَنْهُ لِيَرْمُوهُ. البُؤْسُ الحَقِيقِيُّ لَا يَكْمُنُ فِي قَسْوَةِ المَرَضِ وَحْدَهُ، بَلْ فِي هَذَا القَاعِ المَنْسِيِّ الَّذِي يَجِدُ فِيهِ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ عَاجِزًا عَنْ تَوْفِيرِ ثَمَنِ مَوَاصَلَاتٍ لِإِنْقَاذِ حَيَاتِهِ، بَيْنَمَا يُهْدَرُ عَلَى بُعْدِ كِيلُومِتْرَاتٍ مَا يَكْفِي لِإِطْعَامِ أُسَرٍ بِأَكْمَلِهَا.
المُشْكِلَةُ لَيْسَتْ فِي القَضَاءِ وَالقَدَرِ، بَلْ فِي الوَرَقِ الرَّسْمِيِّ البَارِدِ وَفِي السُّلُوكِ الِاجْتِمَاعِيِّ الَّذِي اخْتَزَلَ الوَاجِبَ الإِنْسَانِيَّ وَالدِّينِيَّ إِلَى طَقُوسٍ مُفَرَّغَةٍ. إِنَّ صُنْدُوقًا يُقَرِّرُ أَنَّ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ دِينَارًا تَكْفِي بَيْتًا فِيهِ سَرَطَانٌ وَقَسْطَرَةُ قَلْبٍ هُوَ صُنْدُوقٌ يَقِيسُ البُعْدَ الإِنْسَانِيَّ بِأَدَوَاتٍ صَمَّاءَ لَا تَرَى البَشَرَ. وَالمَسْحُ الِاجْتِمَاعِيُّ الَّذِي يَمُرُّ عَلَى البُيُوتِ دُونَ أَنْ يَرَى الجُوعَ المُتَرَسِّبَ فِي العُيُونِ هُوَ مَسْحٌ مَغْشُوشٌ تَتَحَمَّلُ مَسْؤُولِيَّتَهُ السِّلْسِلَةُ الإِدَارِيَّةُ مِنْ أَعْلَى هَرَمِهَا إِلَى قَاعِدَتِهَا.
نُصَلِّي وَنَصُومُ، وَلَكِنَّ التَّدَيُّنَ الَّذِي يُغْلِقُ بَابَهُ دُونَ جَارِهِ المَرِيضِ وَالجَائِعِ هُوَ تَجْرِيدٌ أَخْلَاقِيٌّ حَادٌّ مِنْ جَوْهَرِ الإِيمَانِ. إِنَّ “نُورَ” وَوَالِدَهَا العَجُوزَ لَا يَحْتَاجَانِ إِلَى بَيَانَاتِ تَعَاطُفٍ وَلَا إِلَى أَدَبِيَّاتِ المَوَاسَاةِ الكَاذِبَةِ؛ إِنَّ المَوْقِفَ يَتَطَلَّبُ أَنْ تَسْتَعِيدَ المُؤَسَّسَاتُ وَالمُجْتَمَعُ أَدْنَى دَرَجَاتِ الحَيَاءِ الإِنْسَانِيِّ، وَأَنْ يُدْرِكَ الجَمِيعُ أَنَّ الجُوعَ وَالمَرَضَ لَا يَنْتَظِرَانِ صَحْوَةَ الضَّمِيرِ المُتَأَخِّرَةِ.
وَنَقُولُهَا بِصَوْتٍ عَالٍ لِلْجَمْعِيَّاتِ الأَهْلِيَّةِ وَالمُنَظَّمَاتِ الإِنْسَانِيَّةِ القَابِعَةِ فِي أَبْرَاجِهَا: اخْرُجُوا مِنْ العَاصِمَةِ، وَانْزِلُوا إِلَى البَوَادِي وَالأَرْيَافِ وَالمُخَيَّمَاتِ المَنْسِيَّةِ؛ لِتَتَحَسَّسُوا آَلَامَ البَشَرِ فِي المَيْدَانِ. انْظُرُوا كَيْفَ يُشْتَرَى الخَبْزُ بِالدَّيْنِ، وَكَيْفَ يُوَاجَهُ بَرْدُ الشِّتَاءِ وَهَجِيرُ الصَّيْفِ بِأَجْسَادٍ عَارِيَةٍ وَمُنْهَكَةٍ. لَقَدْ انْفَصَلْتُمْ عَنْ الوَاقِعِ خَلْفَ الكَامِيرَاتِ وَعَدَسَاتِ التَّلْمِيعِ وَأَلْقَابِ المَعَالِي وَالسَّعَادَةِ؛ حَتَّى صَارَتْ المَأْسَاةُ لَدَيْكُمْ مُجَرَّدَ عَرْضٍ فِي المَكَاتِبِ الفَارِهَةِ. أَنْتُمْ فِي عَالَمِ التَّخَمَةِ وَالفَخَامَةِ، وَالبُسَطَاءُ فِي عَالَمِ الجُوعِ وَالعَوَزِ. وَلَكِنَّ التَّارِيخَ وَالعَدْلَ الإِلَهِيَّ لَا يَغْفَلَانِ؛ فَكُلُّ لَحْظَةِ بَرْدٍ وَجُوعٍ، وَكُلُّ جُرْعَةِ عِلَاجٍ حُرِمَ مِنْهَا مَرِيضٌ، سَتَبْقَى وَثِيقَةَ إِدَانَةٍ مَكْتُوبَةٍ بِالوَّجَعِ، وَحُجَّةً دَامِغَةً تُطَالِبُكُمْ بِالمَسْؤُولِيَّةِ الَّتِي خُنْتُمُوهَا.

شارك هذا المقال