صراحة نيوز – داود شاهين
حين يقف جلالة الملك عبدالله الثاني على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، فإنه لا يلقي خطاباً بروتوكولياً يضاف إلى أطنان الأوراق المتراكمة في أروقة المنظمة الدولية، بل يضع العالم وجهاً لوجه أمام مرآة عوراته الأخلاقية والسياسية. لقد اختار جلالته هذه المرة مقاربة فكرية عميقة وموجعة؛فكرة “الانتباه” وكيف تحول هذا المورد البشري إلى سلعة جيوسياسية خاضعة لمزاجية الشاشات وعدسات الكاميرات التي تحصي الثواني لا بل الدقائق، لتجعل من المآسي الكبرى والجرائم الممنهجة مجرد عابر سبيل على شاشات يملها المشاهد سريعاً.
الملك لم يرمِ الكلام عرضاً ولم يغرق في لغة الدبلوماسية الناعمة التي اعتادها البعض حين يتعلق الأمر بجرائم الاحتلال الإسرائيلي. لقد نزل إلى ميدان الحقائق العارية، مفككاً “أوهام المجتمع الدولي” واحدة تلو الأخرى. فعندما يتحدث عن غزة والضفة الغربية كوجهين لعملة استراتيجية واحدة تهدف إلى محو الوجود الفلسطيني وفرض واقع الضم والتهجير القسري، فإنه ينطق بلسان الحال العربي والضمير الحي الذي ضاق ذرعاً بسياسة الكيل بمكيالين وغض الطرف عن دولة تعيث فساداً ودماراً وتتصرف باستعلاء مطلق فوق القانون الدولي.
ولم يفت الملك أن يضع النقاط على الحروف فيما يخص الضفة الغربية؛ حيث تحولت إجراءات الاحتلال اليومية من هدم للبيوت ومصادرة للأراضي وحماية لعربدات المستوطنين إلى ما وصفه بوضوح ودون مواربة بأنه “جريمة حرب” تتمثل في التهجير القسري.لقد سقطت الأقنعة وتهاوت المبررات الواهية عن “دولة ديمقراطية يحكمها القانون” حين يقف جنود الاحتلال متفرجين أو مشاركين في التنكيل بأصحاب الأرض الأصليين، وحين تصبح دماء الفلسطينيين رخيصة في سوق المزايدات السياسية العالمية.
الخطاب الملكي حمل أيضاً رسائل إنذار مبكر حاسمة؛فالاحتلال الذي أمن العقاب ساء الأدب وتمادى في طغيانه وامتدت أطماعه الإقليمية لتطال سوريا وغيرها، مختبراً حدود الصبر الدولي والإقليمي. وهنا كان الموقف الأردني حاسماً كالعهد به دائماً؛ فحدود الأردن وأمنه المائي والقومي خط أحمر لا يقبل المساومة، ولن يشيح الأردن بوجهه عما يجري، بل سيبقى الحصن المنيع والدرع المتين في وجه كل أطماع العابثين.
لقد وضع جلالة الملك المجتمع الدولي أمام مسؤولياته التاريخية؛ فالأدوات متوافرة من عقوبات وعزل وحظر، ولكن الإرادة السياسية المغيبة هي وحدها التي تمنع إنفاذ العدالة. وإذا كان العالم يتنافس اليوم على تشتيت الانتباه وتغيير البوصلة، فإن الأردن بقيادة جلالة الملك سيبقى الصوت الصارخ بالحق، الحامل لأمانة الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، والداعم الصلب لصمود الأشقاء الفلسطينيين حتى ينالوا حقوقهم العادلة ومشروعهم الوطني الخالص.
إنها صرخة حق في وجه عالم ينام، وتذكير بأن التاريخ لا يرحم من يختارون التجاهل والصمت حين تكون الكلمة للعدالة والضمير
حمى الله الأردن و الأردنيين

