واقع قطاع التأمين في الأردن

4 د للقراءة
4 د للقراءة
واقع قطاع التأمين في الأردن

صراحة نيوز- تقرير خاص

يواجه قطاع التأمين في الأردن منعطفاً تاريخياً حاسماً فرضه دخول دخول عقود التأمين رقم ١١ لسنة ٢٠٢٦ حيز التنفيذ، والرقابة الصارمة الصادرة عن البنك المركزي الاردني لم يعد القطاع يحتمل الحلول الترقيعية؛ فالخسائر التشغيلية المتراكمة، والاضطرابات الجيوسياسية الإقليمية التي رفعت كلف إعادة التأمين العالمية، تستدعي جراحة هيكلية شاملة لتحويل هذا القطاع من “مستوعب للصدمات” إلى محرك استراتيجي للنمو الاقتصادي ومساهم فاعل في الناتج المحلي الإجمالي.

العائق الأكبر أمام نمو القطاع يتمثل في تشتت السوق بين أكثر من 20 شركة تأمين، يتنافس معظمها في سوق ضيقة تعتمد بشكل مفرط على تأمين المركبات والتأمين الصحي، وهما الفرعان الأكثر استنزافاً للسيولة بسبب حجم المطالبات المرتفع.

ويعد نظام الأسعار الثابتة للتأمين الإلزامي تشوهاً اقتصادياً يكبد الشركات خسائر ملايين الدنانير سنوياً. المطلوب هو تحرير الأسعار تدريجياً لتعكس كلف التعويضات الحقيقية، مع ربط قيمة القسط بسلوك السائق (السجل المروري والمخالفات) وليس بمواصفات المركبة فقط.

يمتلك السوق الأردني فائضاً في عدد الشركات مقارنة بحجم الاستهلاك المحلي. يجب على البنك المركزي وضع حوافز رقابية وتشريعية تدفع نحو اندماج الشركات الصغيرة في كيانات مالية كبرى قادرة على رفع قدرتها الاحتفاظية للأخطار، وتقليص المصاريف الإدارية المتكررة.

العديد من الشركات تعتمد على أرباح الاستثمار لتعويض خسائر الاكتتاب الفني. ويتطلب النهوض بالقطاع توجيه هذه الاستثمارات نحو أدوات مالية مستقرة وطويلة الأجل، مثل السندات الحكومية والمشاريع التنموية الكبرى في الطاقة والمياه، بدلاً من التركيز المفرط على سوق الأسهم التقليدي والعقارات غير المسالة

تعد البيئة التنظيمية صمام الأمان الذي يحمي حقوق أطراف المعادلة التأمينية (الشركات والمؤمن لهم)، وتسهم الحوكمة الرشيدة في بناء الثقة المفقودة في السوق.

ويتوجب على دائرة الرقابة على أعمال التأمين في البنك المركزي الاستمرار في تطبيق معايير رقابية قائمة على المخاطر (Risk-Based Capital)، مما يجبر الشركات على الاحتفاظ باحتياطيات فنية واكتوارية دقيقة تضمن وفاءها بالتزاماتها المستقبلية وتجنبها شبح التصفية أو التعثر.

بطء إجراءات التقاضي في الحوادث والمطالبات الطبية الكبرى يفرز تدفقات نقدية سالبة للشركات ويعطل حقوق المواطنين. إيجاد قضاء متخصص ومستعجل يفصل في النزاعات التأمينية سيسهم في تسريع تسوية المطالبات العالقة وتوفير السيولة في السوق

لا يمكن لقطاع التأمين أن ينهض دون التخلي عن وثائق التأمين التقليدية والآليات الورقية البالية، والتوجه نحو منتجات تحاكي متطلبات العصر الرقمي والاقتصادي الجديد. ما يستوجب إلزام الشركات بالتحول الرقمي الكامل بدءاً من إصدار الوثائق إلكترونياً وصولاً إلى تسوية المطالبات عبر تطبيقات الهواتف الذكية وهذا التحول كفيل بخفض الكلف التشغيلية بنسب تتجاوز 30%، فضلاً عن دور الذكاء الاصطناعي في الكشف المبكر عن عمليات الاحتيال والافتعال، خاصة في حوادث السير وفواتير المستشفيات.

كما يتوجب على الشركات الخروج من دائرة “المركبات والصحي” الضيقة عبر ابتكار وثائق تأمين جديدة مثل التأمين السيبراني لحماية الشركات والمؤسسات المالية من الهجمات الرقمية المتزايدة والتأمين الزراعي والمناخي لحماية المزارعين في مناطق الأغوار والمحافظات من مخاطر الصقيع والجفاف وتغير المناخ الوتأمينات متناهية ا الصغر لتوفير تغطيات منخفضة الكلفة تلائم أصحاب المشاريع الصغيرة والعمالة المستقلة

إن النهوض بالقطاع ليس مسؤولية الشركات والمنظم فحسب، بل هو جهد وطني تشاركي يهدف إلى تغيير النظرة المجتمعية السلبية تجاه التأمين والذي يتطلب تأسيس صندوق وطني لتغطية الأزمات والكوارث: الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص، يهدف تغطية الأخطار الجسيمة والكوارث الطبيعية والأوبئة التي تعجز الشركات المنفردة عن تغطيتها، مما يحمي البنية التحتية والاقتصاد الوطني من الهزات العنيفة. الى جانب إطلاق حملات وطنية لنشر الوعي التأميني والذي يقع على عاتق الاتحاد الأردني لشركات التأمين لقيادة حملات تثقيفية مستمرة لتبسيط العقود وإزالة اللبس حول شروط الاستثناء والتعويض، ودمج مفاهيم إدارة المخاطر في المناهج التعليمية والاقتصادية لبناء جيل يعي أهمية التأمين كأداة حماية وليس كعبء مالي مفروض

شارك هذا المقال