صراحة نيوز- عوض ضيف الله الملاحمة
سَرَّني كثيراً التصريح الصارم ، القاطع ، الجازم ، الحازم لوزير خارجيتنا عندما قال : (( سنتصدى لأي تهجير فلسطيني للأردن )) .
لأنني سبق لي ان كتبت عشرات المقالات عن خطر التهجير ، مؤشِّراً على التهديد الصهيوني لوطننا الحبيب ، ومتسائلاً عن إستعدادات الأردن الرسمي لهذا التهديد وهذا الخطر الوشيك .
أراحني معالي وزير الخارجية من قلق كان ينتابني بإستمرار وكتبت عنه كثيراً ، ويتمثل ذلك بالخوف من تهجير فلسطينيي
الضفة ، و غزة ، و ال ٤٨ الى الأردن ، وربما الى أقطارٍ أخرى عربية وأجنبية ، لكن المستهدف الرئيسي هو الأردن . عندما يقول ويؤكد وزير الخارجية على اننا سنتصدى الى أي تهجير فلسطيني الى الأردن ، أفهم منه ان وزير الخارجية ركن الى جهة رسمية عليا صاحبة قرار نافذ قبل ان يصرح بذلك ، وأن هناك إستعدادات كبيرة للتصدي للتهجير القسري للفلسطينيين الى الأردن .
علينا ان نتنبه بداية الى (( هجرة الفلسطينيين الطوعية )) للأردن . فمنذ الإعلان الأول لسيء الذِكر سيموترتش ، بتهجير الفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة الغربية ، ويحملون الجنسية الأردنية ، وإعلانه الثاني عن نية العدو تهجير الفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة الغربية ويحملون أية وثيقة أردنية ، سواء بطاقات صفراء او خضراء وغيرها ، بإعتبارهم مواطنين أردنيين .
للعلم فإن أعداداً من الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الأردنية ويعيشون في الضفة الغربية ، بدأوا (( هجرة طوعية )) الى الأردن والإستقرار فيه . ويقولون : إخترنا (( الهجرة الطوعية )) قبل ان يُهجِّرنا العدو الصهيوني قسراً ونعاني . لذلك استبقنا التهجير القسري بهجرة طوعية ، وتملكنا بيوتاً في الأردن ونعيش الآن بأمان ، وإذا ذهبنا الى الضفة نذهب في زيارة ثم نعود الى الأردن لأنها مُستقرنا .
الوقوف ضد تهجير الفلسطينيين الى الأردن لا يعني إستهدافاً لأشقائنا الفلسطينيين بالمطلق . الوقوف ضد التهجير مطلب وطني وقومي لكل مواطن عربي شريف منتمٍ لعروبته ولقضيته المركزية القضية الفلسطينية . الوقوف ضد التهجير (( يجب )) ان يكون مطلباً إستراتيجياً فلسطينياً لتجنب إفراغ الأراضي الفلسطينية من سكانها الأصليين . الفلسطينيون المنتمون لقضيتهم تعلّموا من درس الهجرة القاسي الذي تجرعوه أيام إحتلال الأرض عام ١٩٤٨ .
لعلم الأردنيين والفلسطينيين ان عدد الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية والجواز والرقم الوطني الأردني ويعيشون في الضفة الغربية يبلغ عددهم حوالي ( ٨٠٠,٠٠٠ ) نسمة . وان الفلسطينيين الذين يحملون بطاقات أردنية صفراء وخضراء ويعيشون في الضفة الغربية عددهم التقديري يصل الى ( ٧٠٠,٠٠٠ ) . وعليه يكون إجمالي الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الأردنية والوثائق الأردنية ويعيشون في الضفة الغربية يصل الى ( ١,٥٠٠,٠٠٠ ) فلسطيني .
في حين ان عدد سكان الضفة الغربية الإجمالي من الفلسطينيين يصل الى ( ٣,٤٣٠,٠٠٠ ) نسمة ، وعليه تصل نسبة الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الأردنية او أية وثائق أردنية والذين يبلغ عددهم حوالي ( ١,٥ ) مليون تصل نسبتهم الى حوالي ( ٤٤٪ ) من سكان الضفة ، بإستثناء المستوطنين الصهاينة الذين يبلغ عددهم أكثر من ( ٧٨٠,٠٠٠ ) .
إذا قرر العدو تهجير الفلسطينيين من الضفة ، لا أظن ان المهجرين سيتماثل موقفهم مع موقف أبناء غزة ، ليس لأنهم أقل شجاعة وصموداً — لا سمح الله — بل لأن لديهم البدائل والجذور والإمتدادات العشائرية والعائلية داخل الأردن .
ثم هناك سؤالاً كبيراً وخطيراً يتمثل في :—كيف سيتعامل الأردن الرسمي والشعبي مع الموقف ، فيما لو هجّر العدو أبناء الضفة الغربية قسراً وتركهم على السياج الحدودي الأردني مع الأراضي المحتلة دون طعام او ماء او علاج ، وبدون وجود ما يقيهم حر الصيف و قرصة برد الشتاء ؟
هل سيتفرج عليهم الأردن الرسمي والشعبي ويصمت ولا يقدم المساعدات وهو يراهم يموتون عطشاً ويتضورون وجوعاً ويصابون بضربات الشمس اللاهبة او قرصات برد الشتاء ؟ وهل يتركوا المرضى والعجزة والحوامل يموتون أمام أعينهم ؟
فاذا لم يتدخلوا وينقذونهم فهذه جريمة ترتكب بحق الأشقاء ، واذا تدخلوا فقد نقلوا مسؤوليتهم من الكيان الى الأردن وسينتهي ذلك بالتهجير . أرى ان الأردن الرسمي والشعبي سيصبح (( مثل بالع الموس )) .
أعتقد جازماً ان الشعب الأردني عندها سيزحف بكافة فئاته ومكوناته للحدود لمساعدتهم ، وبهذا يساعدون على تنفيذ مشروع العدو الصهيوني في التهجير القسري الذي سينتهجه العدو .
لا تنسوا ان هؤلاء كانوا أردنيين وحصلوا على الجنسية الأردنية بعد وحدة الضفتين .
كان من المفترض ان(( ترفع القيادة الفلسطينية الحرج عن الأردن )) وتنسق مع الأردن لسحب الجنسية الأردنية منهم وتصدر لهم جوازات سفر وأرقاما وطنية فلسطينية ، بدلاً من الأردنية ، لتثبت فلسطينيتهم .
أرى انه ليس ثمة ما يعيق التهجير ، وإنها خطة ناجحة وناجعة بالنسبة للعدو الصهيوني ، لأنه ليس ثمة ما يعيقها . وليس من المنطق مقارنة صمود أبناء غزة ورفضهم التهجير ، بما سيحصل اذا تم تهجير أبناء الضفة الغربية ، بالمطلق .
تنبهوا (( الهجرة الطوعية )) سبقت التهجير القسري ، علينا ان نلتفت لها .
أفهم ، انه ليس من المنطق ان يدلي مسؤولاً على مستوى نائب رئيس وزراء ووزير خارجية بتصريح يقول فيه : (( سنتصدى لأي تهجير فلسطيني للأردن )) بهذه الحِدّة ، وهذا الوضوح ، دون ان يكون لديه معلومات أكيدة عن إجراءات ناجعة إتخذتها الدولة الأردنية باكراً ، للتصدي لتهجير الفلسطينيين الى الأردن .

