صراحه نيوز – بقلم الدكتور ثابت المومني
أخطر ما يواجه الأردن ليس تعثر التنمية وحده، بل أن تتحول الحكومة إلى أداة لتجميل الإخفاقات وتسويق الأوهام بدلًا من مواجهة الحقائق. فتدوير المناصب، واحتكار النفوذ، وغياب الشفافية والعدالة، وتركيز القرار في أيدي فئة محدودة، كلها ممارسات أرى أنها تعرقل النهوض الاقتصادي والإداري والعلمي والمعرفي. والأردن بحاجة إلى «بيريسترويكا أردنية» بقيادة جلالة الملك، تنهي احتكار المناصب وتعيد للدولة كفاءتها وللمواطن ثقته بمؤسساتها.
إن أكبر مصائبنا أن تتحول الحكومة من قيادة للإصلاح إلى واجهة لتبرير الإخفاقات، وأن يصبح تلميع الواقع بديلًا عن تغييره!
فمن يحاول إقناع الأردنيين بأن النمو الاقتصادي المعلن يعني بالضرورة تحسن معيشتهم، أو أن التصريحات الرسمية دليل على ثقة الشعب ورضاه، إنما يذر الرماد في العيون! فالنمو الحقيقي يُقاس بفرص العمل والدخل والإنتاج ومستوى الخدمات، لا بحجم التصفيق ولا بعدد المؤتمرات الصحفية.
إن تدوير المناصب بين الوجوه ذاتها، من رئاسة حكومة إلى مجلس أعيان، ومن وزارة إلى مؤسسة، حتى يبلغ بعضهم حافة التسعين، يطرح سؤالًا صارخًا: هل عجز الأردن عن إنجاب قيادات جديدة، أم أن هناك من يريد إبقاء مفاتيح القرار حكرًا على دائرة ضيقة من أصحاب النفوذ؟!
إنني أرى أن احتكار مواقع القرار، وغياب تكافؤ الفرص، وضعف المحاسبة، من الأسباب التي تعطل التطوير الاقتصادي والإداري والعلمي والفكري، وتمنع الحكومات من تحقيق ما ينتظره الأردنيون منها.
والأخطر أن تتحول المناصب العامة إلى بوابات للامتيازات العائلية. فمن حق الشعب معرفة الأسس التي تُمنح بموجبها نفقات تعليم أبناء المسؤولين في الجامعات العالمية أو علاجهم، ومحاسبة كل من يثبت حصوله على امتيازات غير مشروعة من الخزينة.
نقولها بوضوح: لا خط أحمر إلا الملك! نحن مع جلالة الملك والأسرة الهاشمية، ونحترم مؤسسات الدولة الدستورية والأمنية، لكن احترام المؤسسات لا يعني تحصين المسؤولين من النقد والمساءلة. فلا لقب «دولة» ولا «معالي» ولا «عطوفة» يمنح صاحبه حق الاستئثار بالسلطة أو الإفلات من القانون.
إن الأردن بحاجة إلى «بيريسترويكا أردنية» شاملة بقيادة ملكية، تُعيد هيكلة الإدارة العامة، وتكسر احتكار المناصب، وتراجع التشريعات التي تتيح تضارب المصالح، وتضمن استقلال القرار وكفاءة المؤسسات والشفافية في إدارة المال العام.
وإلى كل من يثبت أنه استغل سلطته لنهب مقدرات الوطن أو إثراء نفسه وأبنائه وأقاربه: فكروا بالغد جيدًا! فالكراسي زائلة، والنفوذ لا يدوم، والأجيال القادمة لن ترحم إرث الفساد، ولن تمنح الاحترام لمن ترك وراءه وطنًا مثقلًا بالأزمات.
إننا نطالب بمحاسبة قانونية عادلة، لا بانتقام أو إساءة شخصية؛ فالمسؤولية تثبت بالأدلة، والعدالة تتحقق بالقضاء، لا بالشعارات.
فالأردن ليس مزرعة لأحد، والخزينة ليست ميراثًا للمتنفذين، والحكومة ليست مؤسسة علاقات عامة لتسويق الإخفاقات!
ومن خدم الوطن فله الاحترام، ومن ثبت فساده فله القضاء، ولإرث فساده مزبلة التاريخ!
عاش الأردن، وعاش الملك، ولا أحد فوق القانون.

