ماذا عن الجيل الذي سيحمل راية الدولة مع سمو ولي العهد؟

9 د للقراءة
9 د للقراءة
ماذا عن الجيل الذي سيحمل راية الدولة مع سمو ولي العهد؟

صراحة نيوز – كتب أ.د. محمد الفرجات

إن جيل طلبة المدارس والجامعات ليس مجرد جيل يتلقى التعليم اليوم، بل هو الأردن القادم؛ منه سيخرج الأطباء والعلماء والمهندسون والمعلمون ورواد الأعمال وصنّاع القرار، وهو الجيل الذي سيواصل مسيرة البناء والتحديث مع سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني. ومن هنا، فإن إعداد هذا الجيل ليس شأناً تعليمياً فحسب، بل قضية وطنية تتصل بمستقبل الدولة وقدرتها على البقاء والتقدم وصون منجزاتها.

 

والسؤال الذي ينبغي أن يشغلنا جميعاً: هل نُعِدّ أبناءنا فعلاً لمستقبلهم، أم نكتفي بانتقالهم من صف إلى آخر، ومن شهادة إلى أخرى، دون أن نضمن امتلاكهم أدوات الحياة والعمل والإنتاج؟

 

نحن بحاجة إلى قيادة تربوية ترى في المدرسة والجامعة مؤسستين لصناعة الإنسان، لا لإدارة المناهج والامتحانات فقط؛ قيادة ميدانية تقترب من الطلبة والمعلمين والأساتذة، وتتابع جودة التعليم والصحة والنمو الجسدي والفكري، وتغرس الشغف بالمعرفة، وحب العمل، والانضباط، والابتكار، والقدرة على التفكير النقدي وحل المشكلات.

 

فما قيمة سنوات طويلة من التعليم إذا وصل الطالب إلى الجامعة دون إتقان حقيقي للغته العربية، أو القدرة على التعبير السليم، أو استخدام اللغة الإنجليزية، أو الاستدلال المنطقي، أو التمييز بين الحقيقة والشائعة؟ إن المشكلة ليست في أبنائنا، ولا يجوز اختزالها في المعلمين، بل في ضرورة مراجعة منظومة التعليم وطرائق التدريس والتقييم، حتى نقيس ما يتقنه الطالب فعلياً، لا ما يحصل عليه من علامات وشهادات فقط.

 

ولنتأمل واقع طالب التوجيهي الذي يصل إلى الجامعة غالباً في عمر الثامنة عشرة. إنه على أعتاب مرحلة جديدة من المسؤولية، لكن هل يمتلك بالضرورة وعياً كافياً بالتحديات الوطنية والعالمية؟ وهل يعرف كيف يخطط لحياته، ويضع أهدافه، ويدير وقته، ويختار مساره، ويتخذ قراراته، ويحوّل طموحاته إلى مشروع قابل للتنفيذ؟

 

إننا بحاجة إلى أن يتخرج أبناؤنا من المدارس وهم يعرفون أنفسهم وقدراتهم، ويفهمون مجتمعهم ووطنهم والعالم من حولهم، لا أن يدخلوا الجامعة وهم ينتظرون من الآخرين أن يرسموا لهم الطريق.

 

فالشاب الذي لا يمتلك هدفاً أو خطة أو مهارة عملية قد يجد نفسه بعد التخرج أسير البطالة والانتظار، وقد تنقلب حياته إلى نوم النهار وسهر الليل والاستهلاك الرقمي، بدلاً من التعلم المستمر والعمل والإنتاج والمبادرة. ولا يعني ذلك أن البطالة مسؤولية الشباب وحدهم؛ ففرص العمل والسياسات الاقتصادية والتدريب والعدالة في الوصول إلى الفرص عوامل أساسية أيضاً. لكن مسؤوليتنا أن نمنح الشاب الأدوات التي تساعده على اقتناص الفرص وصناعة بعضها، وأن نفتح أمامه مسارات حقيقية للإنجاز.

 

نريد شاباً يدخل الجامعة ومعه مشروع لحياته، لا مجرد رغبة في الحصول على شهادة؛ ويتخرج ومعه مهارات وخطة وأهداف، لا أن يبدأ التفكير في مستقبله بعد أن يصطدم بالبطالة.

 

وثمة فجوة أخرى لا تقل خطورة: كثير من شبابنا لا يحظون بما يكفي من المعرفة المنظمة بالتحديات التي سترسم مستقبل الأردن والعالم. فشح المياه، والتغير المناخي، والتكيف مع الجفاف والحرارة والفيضانات، وأمن الغذاء والطاقة، والتحولات الاقتصادية، والثورة الرقمية والمعلوماتية، والذكاء الاصطناعي، والتحديات الجيوسياسية والإقليمية، ليست موضوعات بعيدة عن حياتهم؛ إنها قضايا تمس أمنهم المائي والغذائي، وفرص عملهم، واستقرار وطنهم، وقدرة دولتهم على المنافسة.

 

فكيف نريد جيلاً يقود المستقبل إذا لم نساعده على فهم ندرة المياه في الأردن، وأهمية ترشيدها وإعادة استخدامها، ومخاطر التغير المناخي وسبل التكيف معه؟ وكيف ننتظر منه المشاركة في الاقتصاد الرقمي إذا لم نُعِدّه لفهم البيانات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والتحقق من المعلومات، ولم نمنحه فرصاً للتطبيق والابتكار بدلاً من الاكتفاء بالاستهلاك؟

 

وكيف يمكن أن نعدّه للمستقبل دون أن نرسخ لديه الوعي بالتغيرات الجيوسياسية، ومصالح الأردن، وأهمية استقراره، وضرورة فهم الأحداث من مصادر موثوقة، بعيداً عن التضليل والتعصب والانجرار وراء الشائعات؟

 

إن التربية الوطنية الحديثة لا تعني تلقين الشعارات، بل بناء مواطن يفهم وطنه، ويعي التحديات المحيطة به، ويستطيع تحليلها والمشاركة في مواجهتها بالعلم والعمل والمسؤولية.

 

وعلى الجانب الآخر، لا يمكن أن نتحدث عن صناعة الإنسان الأردني دون التوقف أمام صحته. فالتدخين والأرجيلة والفيب ليست مظاهر عابرة في حياة بعض الشباب والشابات، بل سلوكيات تنطوي على مخاطر صحية حقيقية، وقد تؤدي إلى الإدمان، وتلحق الضرر بالصحة على المدى القريب والبعيد. ويزداد القلق حين تصبح هذه السلوكيات مألوفة في البيئات الشبابية، أو يُنظر إليها باعتبارها رمزاً للنضج أو الوجاهة الاجتماعية.

 

إن حماية الشابات اليوم تعني أيضاً حماية صحة أمهات المستقبل، دون أن تكون صحة الفتيات أهم من صحة الشباب؛ فكلاهما ثروة وطنية تستحق الوقاية والرعاية. ولا يكفي أن نحذر أبناءنا من التدخين والفيب، بل نحتاج إلى بيئة مدرسية وجامعية خالية من التدخين، وتوعية علمية مؤثرة، ودعم للإقلاع، ورقابة على بيع المنتجات لمن هم دون السن القانونية، إلى جانب الرياضة والأنشطة التي تمنح الشباب بدائل صحية ومجتمعية جاذبة.

 

وأين النشاط البدني المنتظم، والتغذية المتوازنة، والنوم الكافي، والاهتمام بالصحة النفسية؟ وكيف ننتظر عقلاً متوقداً وجسداً سليماً من طالب يقضي ساعات طويلة أمام الشاشات، ويعاني قلة الحركة واضطراب النوم، دون أن تتوفر له بيئة تساعده على التوازن والنمو؟

 

كما أن التنمر والعنف وضعف مهارات الحوار ليست مشكلات تُحل بالعقوبة وحدها. نحن بحاجة إلى جيل يعرف كيف يختلف دون أن يعتدي، وكيف يناقش دون أن يهين، وكيف يحتكم إلى القانون والمنطق بدلاً من الغضب. وهذا يبدأ من الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام، ومن بيئة يشعر فيها الطالب بالأمان والاحترام والانتماء.

 

ثم كيف نطالب أبناءنا بالاجتهاد والالتزام، بينما لا نضمن لهم دائماً حق الوصول الآمن إلى مدارسهم وجامعاتهم؟ إن الأرصفة الآمنة، وممرات المشاة، والنقل العام العصري والمنتظم، وحماية الطلبة من التهور المروري، ليست كماليات، بل حقوق تمس سلامتهم وكرامتهم وفرصهم في التعليم. ولا يجوز أن تتحول رحلة الطالب اليومية إلى مصدر قلق للأسرة، أو أن تستنزف وقت الشاب وماله قبل أن يبدأ يومه الدراسي.

 

إن إعداد الجيل القادم يتطلب أن تعمل وزارات التربية والتعليم والصحة والشباب والتعليم العالي والنقل، إلى جانب المدارس والجامعات والأسر والقطاع الخاص، ضمن رؤية وطنية متكاملة، تتعامل مع الطالب بوصفه إنساناً متكاملاً: عقلاً وجسداً وسلوكاً ومهارة وطموحاً.

 

نريد مدرسة تكتشف الموهبة وتغذي الفضول، وجامعة تربط المعرفة بالتطبيق، ومعلماً يجد التقدير والتدريب والأدوات، وأستاذاً جامعياً تتاح له فرص البحث والابتكار، وشاباً يتعلم كيف يضع هدفاً، ويبني خطة، ويدير وقته، ويطور مهاراته، ويحوّل فكرته إلى مبادرة أو مشروع.

 

ونريد أن تُفتح أمام الطلبة مسارات متعددة في الطب والهندسة والعلوم والتكنولوجيا والزراعة والصناعة والسياحة والمهن التقنية والريادة، لأن الأردن لا يحتاج إلى الشهادات وحدها، بل إلى الكفاءات التي تنتج وتبتكر وتحل المشكلات. فكما يحتاج إلى الطبيب والعالم، يحتاج إلى الفني الماهر والمزارع المنتج والمبرمج وصاحب المشروع، وإلى مواطن يحترم القانون والعمل والوقت وحقوق الآخرين.

 

المطلوب مشروع وطني لصناعة الجيل الأردني القادم، تُقاس نتائجه بمهارات الطلبة وصحتهم ووعيهم، وقدرتهم على التخطيط والعمل، وإتقان اللغات والتكنولوجيا، وفهم تحديات الوطن، لا بأعداد الشهادات وحدها. مشروع يبدأ من الطفولة، ويمتد إلى الجامعة والتدريب وسوق العمل، ويجمع بين التعليم والصحة والرياضة والوعي الوطني والمهارات الرقمية والاستعداد للحياة.

 

ولا يعني ذلك تحميل وزير واحد مسؤولية جميع مشكلات المجتمع، بل إيجاد قيادة تمتلك الرؤية، وفريق مؤسسي متكامل، وخططاً قابلة للقياس، ومتابعة ميدانية، ومصارحة بالنتائج، وتصحيحاً مستمراً للمسار.

 

إن سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني يمثل رمزاً لجيل المستقبل الذي نتطلع إلى مواصلة مسيرة التحديث والبناء معه. وهذه المسيرة تحتاج إلى شباب لا يكتفون بحمل الطموحات، بل يمتلكون العلم والمهارة والصحة والوعي والإرادة، ويعرفون أن خدمة الأردن مسؤولية تُترجم إلى عمل وإنتاج ومبادرة.

 

فماذا ننتظر حتى نضع إعداد هذا الجيل في صدارة أولوياتنا؟ ومتى ننتقل من الحديث عن الاستثمار في الإنسان إلى سياسات يرى أثرها الطالب في صفه، والشاب في جامعته، والخريج في سوق العمل، والأسرة في صحة أبنائها ومستقبلهم؟

 

إن مجد الدولة الأردنية لا يُصان بالحديث عن الماضي وحده، ولا بالاحتفاء بمنجزات الحاضر فقط، بل بإعداد الإنسان القادر على حماية هذه المنجزات وتطويرها وإضافة منجزات جديدة إليها.

 

فالسؤال الذي ينبغي أن يؤرق ضميرنا جميعاً ليس فقط: ماذا سنترك لأبنائنا من منجزات؟ بل: هل نُعِدّ أبناءنا بما يكفي ليحافظوا على هذه المنجزات، ويواجهوا تحديات عصرهم، ويواصلوا مسيرة الأردن بثقة واقتدار مع ولي العهد؟

 

فالدولة التي تستثمر في الإنسان اليوم، إنما تحمي مستقبلها غداً.

شارك هذا المقال