صراحة نيوز – كتب: ماجد القرعان – قد يستغرب البعض احتفال الاردن بمرور مئة عام على إصدار أول طابع أردني والذي اقامته شركة البريد الأردنية مساء اليوم الاحد برعاية رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان الذي انتدب لحضوره وزير الاقتصاد الرقمي المهندس سامي سميرات .
في عصر السرعة الرقمية والرسائل المشفرة، قد يبدو الطابع البريدي مجرد قطعة ورق صغيرة من مخلفات الماضي، لكنه في الأردن يمثل شيئاً أعمق بكثير؛ إنه ألبوم صور وطني مصغر، ووثيقة رسمية شهدت صعود الدولة الأردنية وتطورها خطوة بخطوة. على مدى 100 عام ويزيد،
الطوابع الأردنية لم تكن وسيلة لدفع رسوم البريد فحسب، بل تحولت إلى سردية تاريخية مرئية تروي حكاية بلد بني بالصبر، وعاصر أهم التحولات السياسية والاجتماعية في المنطقة
تبدأ السردية الأردنية للطوابع قبل أن تمتلك الإمارة مطابعها الخاصة في أوائل العشرينيات من القرن الماضي، ومع تأسيس إمارة شرق الأردن على يد الأمير عبد الله الأول بن الحسين حيث واجهت الإدارة الناشئة حاجة ملحة لتسيير المعاملات والبريد ولأن طباعة طوابع خاصة يستغرق وقتاً، لجأت الحكومة إلى حل ذكي يعكس ولادة الكيان الجديد الذي عرف بالتوشيح .
تم جلب طوابع متوفرة (مثل طوابع الانتداب البريطاني في فلسطين أو طوابع الحكومة الحجازية الهاشمية)، وطُبعت فوقها كلمات باللون الأسود أو الأحمر تعلن السيادة الجديدة “حكومة الشرق العربية” ومن ثم “إمارة شرق الأردن” وهذه النقوش البسيطة لم تكن حبراً على ورق، بل كانت إعلاناً رسمياً للعالم بأن هناك كياناً سياسياً جديداً يثبت جذوره في الأرض.
وفي عام 1927، صدرت أول مجموعة طوابع أردنية مستقلة تماماً، تحمل صورة الأمير عبد الله الأول، لتنهي مرحلة التوشيح المؤقت وتبدأ عصر “التوثيق البصري المستقل”. تبعها بعد ذلك عام 1928 طابع خاص موشح بكلمة “دستور”؛ احتفاءً بوضع أول قانون أساسي ينظم الحياة السياسية في البلاد
شكل عام 1946 منعطفاً تاريخياً للأردن، وتُرجم هذا التحول فوراً على الورق المشرشر وصدرت الطوابع التذكارية التي تحمل عبارة “المملكة الأردنية الهاشمية” لتوثيق إعلان الاستقلال وتحول الإمارة إلى مملكة ذات سيادة كاملة.
لم تتوقف الطوابع عند السياسة، بل واكبت أدق تفاصيل التحديث والتطوير ففي عام (1947): صدر طابع يخلد أول مجلس نيابي منتخب وفي عام (1952) مع صدور الدستور الجديد في عهد الملك طلال وتأسيس النقد الأردني، تحولت فئات الطوابع من المليم والجنيه الفلسطيني إلى الدينار والفلس الأردني وفي عهد الملك الراحل لحسين بن طلال، أصبحت الطوابع مرآة للنهضة العمرانية والتعليمية، فظهرت عليها صور الجامعات، السدود، المستشفيات، وتأسيس القوات المسلحة (الجيش العربي)
أبرز ما يميز الطابع الأردني هو قدرته على التحول إلى سفير ثقافي جاب العالم. فمن خلال ملايين الرسائل الصادرة من الأردن، تَعرف العالم على صور البتراء، جرش، القصور الصحراوية، والمغطس وتعرفوا على التنوع الحيوي والثقافي من الطيور والنباتات النادرة في وادي رم وضانا، والأزياء الشعبية والمطرزات الأردنية التي تعكس الهوية الاجتماعية.
إلى جانب الثقافة، كان الطابع الأردني بوصلة سياسية وقومية فالقضية الفلسطينية حاضرة بقوة في الوجدان الأردني، وانعكس ذلك في طوابع تُخلد مدينة القدس، وقبة الصخرة المشرفة، للتأكيد المستمر على الوصاية الهاشمية للمقدسات وواكبت الطوابع الأحداث القومية والعربية، وصولاً للإصدارات الحديثة التي تضامنت مع الأشقاء في قطاع غزة والضفة الغربية خلال الأزمات
هذه السردية الوطنية الممتدة لقرن من الزمان لم تضيع؛ بل جُمعت تفاصيلها بدقة داخل متحف البريد الأردني في عمان الذي يضم الآن آلاف الطوابع النادرة، والأختام التاريخية، والمعدات البريدية القديمة ومن خلال هذا المكان يستطيع الزوار قراءة تاريخ الأردن ليس من خلال كتب التاريخ الضخمة، بل عبر تأمل قطع مربعة صغيرة اختزلت كفاح شعب ورؤية قيادة.
مئة عام من الطوابع الأردنية هي أكثر من مجرد هواية لجمع الطوابع (الفيلاتلي)؛ إنها سردية بصرية وقصة وطن كُتبت بالصبر والعمل.
فكل طابع هو بمثابة لبنة في جدار الذاكرة الوطنية، يذكرنا بأن الأردن، ورغم شح الموارد وعواصف المنطقة، كان دائماً يمتلك القدرة على تدوين حضارته ورسالته الإنسانية، وتصديرها للعالم أجمع.. على متن طابع بريدي.
التطور المتسارع الذي شهدته شركة البريد الاردني خلال العامين المنصرمين شكل تحولاً نوعياً في مستوى الأداء وكافة الخدمات التي تقدمها
ختاماً بطاقة تهنئة لرئيس مجلس إدارتها معالي الأستاذ سامي الداوود وعطوفة المدير العام الفاضلة هنادي الطيب وكافة كوادرها متمنين لهم دوام التوفيق وتحقيق المزيد من التطور والانجازات.

