صراحة نيوز – بقلم: د. نور خالد مشاقبة
ليس من حق أي نظام تعليمي أن يطلب من الطالب التكيف في كل مرة مع قواعد جديدة، ثم يحمّله نتائجها. فالطالب ليس مادة للتجريب، والتوجيهي ليس مجرد امتحان، والشهادة الثانوية ليست ورقة تنتهي مهمتها بإعلان النتيجة؛ إنها بوابة الطالب إلى الجامعة وسوق العمل والعالم.
لا أحد يعارض تطوير التعليم، بل إن تطوير الثانوية العامة الأردنية أصبح ضرورة إذا كان هدفه تخفيف الضغط عن الطلبة، وتحسين جودة التعليم، وتوسيع خياراتهم، وربط التعليم باحتياجات الجامعة وسوق العمل. لكن ثمة فرقًا بين الإصلاح والتغيير، وبين التطوير وإعادة التجربة. فالتطوير الحقيقي لا يقاس بسرعة تعديل الأنظمة، وإنما بقدرته على تحقيق معادلة دقيقة: نظام أكثر عدالة ومرونة، من دون أن يفقد الاستقرار والموثوقية وقابلية الشهادة للاعتراف داخل الأردن وخارجه.
وقد شهدت الثانوية العامة خلال السنوات الأخيرة تعديلات متتابعة في بنية الامتحان والحقول الدراسية وآليات احتساب النتائج ومسارات الانتقال إلى التعليم العالي. ومع تقليص الحقول الدراسية من ستة إلى أربعة اعتبارًا من العام الدراسي 2026/2027، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا:
هل نغير النظام لأن الدراسات أثبتت أن الجديد أفضل، أم لأننا اعتدنا تغيير النظام كلما ظهرت مشكلة؟
الفرق كبير، فالأول يقود إلى إصلاح، بينما قد يقود الثاني إلى دوامة من التعديلات لا يعرف الطالب نهايتها.
### ماذا عن الشهادة خارج الأردن؟
ما أثير بشأن اشتراط امتحان تكميلي لبعض الطلبة الحاصلين على الثانوية العامة الأردنية وفق النظام الجديد في مصر يستحق التوقف والمراجعة الهادئة، لا التهويل. فهذا لا يعني أن الشهادة الأردنية أصبحت غير معترف بها، لكنه في الوقت ذاته ليس تفصيلًا إداريًا ينبغي تجاهله.
والسؤال المشروع هنا: إذا كانت شهادة الثانوية العامة الأردنية تؤهل الطالب للالتحاق بالجامعة، فلماذا يحتاج حاملها إلى اختبار أكاديمي إضافي؟
المطلوب ليس الدخول في مواجهة إعلامية مع دولة شقيقة، وإنما مراجعة علمية للنظام الجديد ومدى قابليته للمقارنة والاعتراف في الأنظمة التعليمية الأخرى. فالشهادة الثانوية ليست مجرد معدل؛ إنها وثيقة يفترض أن تعكس مستوى محددًا من التحصيل، وأن تكون بنيتها ومخرجاتها مفهومة للجامعات التي تستقبل خريجيها.
ومن هنا، فإن السؤال الأهم لصانع القرار ليس: لماذا فعلوا ذلك؟ بل: هل درسنا مسبقًا كيف ستتعامل الجامعات خارج الأردن مع الشهادة الجديدة؟
### الطالب لا ينبغي أن يدفع ثمن القرار
الطالب الذي التزم بالمناهج والتعليمات الرسمية، وتقدم إلى امتحانات رسمية وحصل على شهادة رسمية، لا يجوز أن يكتشف لاحقًا متطلبات جديدة لم تكن واضحة عندما بدأ مساره التعليمي. فقواعد التعليم يجب أن تكون واضحة قبل أن يبدأ الطالب، لا بعد أن ينتهي منه.
وإذا ظهرت ثغرات في تصميم النظام أو احتساب النتائج أو تصنيف المسارات، فإن معالجتها مسؤولية الجهات التي وضعت النظام، وليست مسؤولية الطالب. فالعدالة التعليمية لا تعني فقط عدالة الامتحان، وإنما تعني أيضًا أن تكون آثار الشهادة واضحة وعادلة بعد الحصول عليها.
### هيبة التوجيهي تُبنى بالثقة
اكتسبت شهادة التوجيهي الأردنية مكانتها عبر عقود من الثقة، لا بسبب صعوبة الامتحان وحدها، وإنما لما تمثله من مستوى أكاديمي معروف. وهذه الثقة لا تُحفظ بالشعارات، بل بالاستقرار والوضوح وجودة المناهج ودقة التقييم وقابلية النتائج للمقارنة ووضوح المسارات أمام الجامعات المحلية والدولية.
لذلك، فالمشكلة ليست في أن يتغير التوجيهي؛ فالأنظمة التعليمية تتطور. المشكلة أن يتغير من دون بوصلة واضحة لما نريد أن يصبح عليه.
نريد إصلاحًا لا تغييرًا مستمرًا.
الأردن بحاجة إلى نظام ثانوي أكثر مرونة وعدالة، يخفف الضغط عن الطلبة، ويمنحهم خيارات حقيقية، ويعزز التعليم المهني والتقني، ويربط التعليم بسوق العمل. لكن الإصلاح الجاد يحتاج إلى دراسة أثر مسبقة تشارك فيها الجامعات، وهيئات الاعتراف والمعادلة، والخبراء، والمعلمون، وأولياء الأمور، والطلبة، وسوق العمل.
كما يحتاج إلى تطبيق تدريجي، وفترات انتقالية واضحة، وضمانات تحمي الطلبة الذين بدأوا وفق أنظمة سابقة. وقبل ذلك كله، يحتاج إلى بوصلة دولية: أن نعرف كيف ستقرأ الجامعات خارج الأردن شهادتنا قبل أن نطلب من أبنائنا أن يدرسوها.
فلا يكفي أن نعرف ماذا سيحدث للطالب داخل المدرسة؛ علينا أن نعرف أيضًا ماذا سيحدث لشهادته عندما يحملها خارج المملكة.
### المطلوب مراجعة لا تراجع
ليس المطلوب العودة إلى الماضي أو الدفاع عن كل ما كان في نظام التوجيهي القديم. المطلوب أن نطور دون أن نفقد البوصلة.
نريد نظامًا حديثًا ومستقرًا، وتخفيفًا للضغط دون تخفيض قيمة الشهادة، وتعددًا في المسارات دون إرباك الجامعات، ومرونة أكبر دون أن تتحول إلى غموض.
وما حدث في مصر ينبغي ألا يكون مناسبة للهلع أو تبادل الاتهامات، بل فرصة لطرح سؤال وطني واضح:
هل خضع نظام الثانوية العامة الجديد، قبل تطبيقه، لاختبار حقيقي لمعايير القبول والاعتراف في الجامعات العربية والدولية؟
إذا كانت الإجابة نعم، فلنسمع النتائج بوضوح. وإذا كانت هناك ثغرات، فلنعالجها الآن، قبل أن يدفع الطلبة ثمنها.
### الطالب أولًا
في النهاية، لا تُقاس قيمة الإصلاح بجمال فلسفته على الورق، وإنما بأثره على الطالب. الطالب الأردني يستحق نظامًا يعرف قواعده مسبقًا، ومناهج واضحة، وامتحانًا موثوقًا، وشهادة لا يحتاج إلى الدفاع عنها كلما عبر بها حدود المملكة.
ولهذا يجب أن يكون السؤال الحاكم لكل قرار يتعلق بالتوجيهي:
هل يفتح القرار أمام الطالب الأردني بابًا جديدًا، أم يضيف إلى طريقه عقبة جديدة؟
فالتوجيهي ليس حقلًا للتجارب، والطالب ليس رقمًا في جدول إحصائي، والشهادة ليست مجرد معدل؛ إنها ثقة وطنية تراكمت عبر أجيال، وجواز العبور الأول إلى المستقبل.
وحماية هذه الثقة ليست دفاعًا عن نظام قديم أو جديد، بل دفاع عن حق جيل كامل ف
ي أن يبدأ مستقبله من أرضية ثابتة، لا من نظام ما يزال يبحث عن بوصلته.

