صراحة نيوز – كتبت: سوسن خلف الشوملي
في وطنٍ عربيّ يمتد من المحيط إلى الخليج، وتتعدد فيه اللهجات والألوان والإيقاعات والحكايات، تبقى الثقافة والفنون لغةً إنسانيةً قادرة على جمع القلوب، وصون الذاكرة، وتعزيز الانتماء، وفتح نوافذ الأمل نحو مستقبل أكثر إشراقًا.
فمن المحيط إلى الخليج، يحمل كل بلد عربي ملامح خاصة من تاريخه وتراثه وإبداع أبنائه؛ من القصيدة التي تحفظ وجدان الإنسان، إلى الرواية التي توثق تحولات المجتمع، ومن الموسيقى التي تختزن روح المكان، إلى المسرح والسينما والفنون التشكيلية والحرف التراثية التي تنقل حكايات الأجداد إلى الأجيال الجديدة. وهذا التنوع ليس اختلافًا يفرّقنا، بل ثراءٌ حضاري يمنح هويتنا العربية عمقها وجمالها.
الثقافة ليست ترفًا، والفن ليس مجرد مشهد عابر؛ إنهما ركيزتان لبناء الإنسان. فمن خلال الكلمة الواعية والصورة الهادفة والعمل الفني الأصيل، تتشكل الأفكار، وتتسع مساحات الحوار، وتنمو قيم التسامح والتفاهم واحترام الآخر. وحين يلتقي الإبداع بالمسؤولية، يصبح قادرًا على إحداث تغيير حقيقي في وعي المجتمعات وسلوكها.
من الذاكرة العربية إلى آفاق المستقبل
يمتلك الوطن العربي إرثًا ثقافيًا وحضاريًا غنيًا، يمتد عبر قرون من المعرفة والأدب والفنون والعمارة والموروث الشعبي. غير أن المحافظة على هذا الإرث لا تعني الاكتفاء بالاحتفاء بالماضي، بل تعني تحويله إلى طاقة متجددة تلهم الحاضر وتشارك في صناعة المستقبل.
وهنا تبرز أهمية دعم المبدعين العرب، والاهتمام بالمواهب الشابة، وإتاحة الفرص أمام الكتّاب والفنانين والموسيقيين والمسرحيين وصنّاع الأفلام، ليقدموا تجاربهم بحرية ومسؤولية، ويعبروا عن قضايا مجتمعاتهم وتطلعات أجيالهم.
كما تبرز ضرورة توثيق التراث المادي وغير المادي، وحماية الحرف التقليدية، وتعزيز حضور الثقافة العربية في الفضاء الرقمي، حتى لا تبقى إبداعاتنا حبيسة الحدود الجغرافية، بل تصل إلى جمهور عربي وعالمي أوسع.
إن الاستثمار في الثقافة والفنون هو استثمار في الإنسان، وفي فرص العمل الإبداعي، وفي السياحة الثقافية، وفي بناء مجتمعات أكثر انفتاحًا وقدرة على الابتكار. وهو كذلك جزء من مسار التنمية المستدامة التي لا تقاس بالإنجازات الاقتصادية وحدها، بل بما تحققه من كرامة إنسانية، وعدالة في الفرص، وحماية للهوية، وتعزيز للتماسك المجتمعي.
الصحافة الثقافية والفنية… مسؤولية تتجاوز نقل الخبر
وفي خضم التحولات الرقمية المتسارعة، تزداد أهمية الصحافة الثقافية والفنية بوصفها جسرًا يصل المبدع بالجمهور، ويمنح التجارب الجادة مساحة تستحقها من الاهتمام والتقدير.
فليست مهمة الصحافة الثقافية أن تنقل خبر إصدار كتاب أو افتتاح معرض أو إقامة مهرجان فحسب، بل أن تذهب إلى ما وراء الخبر؛ فتقرأ التجربة، وتناقش الفكرة، وتكشف قيمة العمل، وتسلط الضوء على أصحاب المواهب، وتفتح المجال أمام حوار ثقافي عربي يتجاوز المجاملات إلى النقد البنّاء والمعرفة الحقيقية.
ومن مسؤولية الإعلام الثقافي أيضًا أن ينصف المبدعين في مختلف البلدان العربية، وألا يحصر الضوء في الأسماء المعروفة أو المراكز الثقافية الكبرى، بل أن يمنح المواهب الصاعدة والأصوات الواعدة فرصتها في الظهور، وأن يبرز تجارب المرأة العربية والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة وسائر الفئات التي تمتلك القدرة على الإبداع والمشاركة.
وفي زمن تنتشر فيه المعلومات بسرعة، تصبح المصداقية والتحقق واحترام الملكية الفكرية معايير أساسية للصحافة الثقافية الرصينة. فالكلمة مسؤولية، والصورة رسالة، والنقد الواعي وسيلة للارتقاء بالذائقة الفنية، لا للإساءة إلى المبدع أو الانتقاص من تجربته.
الثقافة العربية… مساحة للتكامل لا للمنافسة
إن المشهد الثقافي العربي بحاجة إلى مزيد من التعاون والتبادل بين المؤسسات الثقافية والإعلامية، وإلى مبادرات تجمع الكتّاب والفنانين والباحثين من مختلف الدول العربية، وتتيح لهم التعارف وتبادل الخبرات وتقديم أعمال مشتركة.
نحتاج إلى منصات عربية تحتفي بالكتاب من المحيط إلى الخليج، وتعرّف الجمهور بالموسيقى والفنون الشعبية والتراث المعماري والحرف التقليدية في مختلف أقطارنا، وتفتح أبوابها أمام التجارب المعاصرة التي تعبّر عن نبض الإنسان العربي وتحدياته وأحلامه.
كما نحتاج إلى ثقافة تحتضن الاختلاف، وتؤمن بأن تعدد التجارب مصدر قوة، وأن لكل بلد عربي بصمته التي تثري المشهد العام، دون أن يفقد خصوصيته أو يتخلى عن جذوره.
فالثقافة التي تجمعنا لا تلغي خصوصية أي بلد، والفن الذي يعبر الحدود لا ينتزع الإنسان من هويته، بل يمنحه فرصة للتعريف بها وتقديمها بصورة تليق بتاريخها وقيمها وإبداع أبنائها.
نحو إعلام ثقافي عربي يصنع الأثر
إن مستقبل الثقافة والفنون في الوطن العربي يرتبط بقدرتنا على الانتقال من الاحتفاء الموسمي بالإبداع إلى بناء عمل ثقافي مستدام، يقوم على التخطيط والشراكة والتوثيق والتدريب، ويمنح المبدع تقديرًا معنويًا وماديًا عادلًا، ويضع المعرفة والفن في متناول الجميع.
وهنا يأتي دور المؤسسات الثقافية والتنموية والإعلامية في تحويل الأفكار إلى مبادرات، والمواهب إلى فرص، والتراث إلى مصدر إلهام، والإبداع إلى قيمة مضافة للمجتمع.
ومن هذا المنطلق، فإن العمل في مجال الصحافة الثقافية والفنية ضمن إطار عربي تنموي يمثل فرصة لتسليط الضوء على الطاقات العربية، وربط الثقافة بأهداف التنمية المستدامة، وإبراز أثر الأدب والفن في تعزيز الوعي والتعليم والحوار والتماسك الاجتماعي.
فالأوطان لا تُبنى بالحجر وحده، بل تُبنى أيضًا بالفكر والكلمة والخيال والجمال. وحين نمنح الثقافة مكانتها، ونحترم الفن بوصفه تعبيرًا عن الإنسان، ونفتح المجال أمام المبدعين ليقدموا أفضل ما لديهم، فإننا لا نحفظ ذاكرتنا فحسب، بل نهيئ لأجيالنا القادمة مستقبلًا أكثر وعيًا وإبداعًا وإنسانية.
إن الوطن العربي، بما يمتلكه من إرث حضاري وطاقات بشرية ومواهب متجددة، قادر على أن يجعل من الثقافة والفنون مساحةً للتواصل والتكامل، ومن الصحافة الثقافية رسالةً مسؤولة تنقل الإبداع من حدود المكان إلى رحابة العالم.
فلتكن ثقافتنا جسرًا بين شعوبنا، وفنوننا صوتًا لهويتنا، وصحافتنا نافذةً تُنصف المبدع وتضيء الطريق أمام الأجيال القادمة.
السفيرة التنفيذية للمنظمة العربية للتنمية المستدامة

