صراحة نيوز – د.عبد الفتاح طوقان
لا تُبنى الأوطان بالأمنيات وحدها، ولا تتقدم بالقرارات المتسرعة؛ فنهضتها تحتاج إلى بوصلة تهدي خطواتها، ورؤية تحدد غايتها، وتخطيط يحوّل الطموح إلى عمل. وفي الأردن، حيث تتشابك تحديات الحاضر مع آمال المستقبل، تصبح جودة القرار الوطني أساساً لتعزيز الاستقرار وتحقيق التنمية.
تبدأ البوصلة برؤية واضحة لمستقبل الأردن: دولة قوية بمؤسساتها، مزدهرة باقتصادها، عادلة في فرصها، ومتمسكة بهويتها وقيمها. والرؤية ليست شعاراً يُرفع، بل تصور مشترك يوجه السياسات ويمنح الجهود الوطنية اتجاهاً واحداً. أما التخطيط، فهو الجسر بين الرؤية والواقع؛ يحدد الأولويات، ويوجه الموارد، ويستبق التحديات، ويقيس النتائج.
وتمنح الخبرة الحقيقية المزدوجة “محليا والمطعمة خارجيا ” القرار عمقاً واتزاناً، فيما تتيح المشورة الصحيحة اختبار البدائل وكشف المخاطر قبل أن تتحول إلى أزمات. ومن الخبرات التي ينبغي أن تحظى باهتمام خاص خبرات الأردنيين في الخارج؛ فهم يعملون في جامعات ومؤسسات وشركات مالية ومراكز بحثية وأطباء ومهندسين حول العالم، واكتسبوا معرفة متخصصة وتجارب متنوعة في مجالات مثل الاقتصاد والتكنولوجيا والهندسة وادارة المشاريع العملاقة والطب والتعليم والطاقة والإدارة والذكاء الاصطناعي و الميكانيكا الطبية الحيوية والجينات والدبلوماسية وغيرها . ويمكن لهذه الخبرات أن توسع أفق صانع القرار، وتساعد على مقارنة الخيارات، وتكييف التجارب الناجحة بما يناسب احتياجات الأردن وظروفه.
ومن الضروري بناء تواصل مستمر ومنظم مع هذه الكفاءات، لا الاكتفاء بدعوتها عند الأزمات أو المناسبات.
ويمكن تحقيق ذلك عبر شبكات مهنية وقواعد بيانات للخبرات، ومجالس استشارية قطاعية، وشراكات بين الجامعات والمؤسسات الأردنية ونظيراتها الدولية، وبرامج لتبادل المعرفة ونقل التكنولوجيا والتوجيه المهني. فقد انتهى عصر ” وزير من داخل المملكة ” لان العالم اصبح قرية صغيرة ومن في الخارج ومع وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام والشبكات العنكبوتية اصبح اكثر اطلاعا وكفاءات لا تقل عمن في الداخل بل بعضها تجاوز كل هذا بمراحل مختلفة ومتعدده على مستوى العالم كله غير محصور بمساحة ٩٠ الف كيلومتر واقصد مساحة الاردن .
كما ينبغي إتاحة قنوات واضحة تُمكّن الخبراء الأردنيين في الخارج من تقديم مقترحاتهم ومتابعة ما يُستفاد منها.
ويكون دمج هذه الخبرات أكثر فاعلية حين يشمل جميع مراحل صنع القرار: من تحديد المشكلة وجمع البيانات، إلى صياغة البدائل وتقييم آثارها، ثم التنفيذ وقياس النتائج.
أما في المناصب القيادية والوزارية ورئاسة مجلس الوزراء ، فينبغي أن تقوم الاختيارات على الكفاءة والخبرة والنزاهة والقدرة على خدمة المصلحة العامة، عبر معايير واضحة وتنافس عادل، سواء أكان المرشح يعمل داخل الأردن أم خارجه.
فالمطلوب ليس استقدام الخبرة لمجرد أنها دولية، بل اختيار الأقدر وتوفير البيئة التي تسمح له بتحويل معرفته إلى نتائج تخدم الوطن.
وفي ظل قيادة جلالة الملك عبد الله الثاني، تحتاج الحكومة إلى ترجمة الرؤية الوطنية إلى برامج محددة الأهداف، واضحة المسؤوليات والجداول الزمنية، مع متابعة التنفيذ وإعلان النتائج.
ويتطلب ذلك سياسات مستقرة، وإجراءات حكومية واضحة، وخدمات عامة وبنية تحتية تدعم الإنتاج والاستثمار.
كما يتطلب إشراك أصحاب الاختصاص والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمواطنين، والإصغاء إلى الشباب والمحافظات والفئات التي تمسها السياسات مباشرة.
ولتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة وجذب الاستثمارات، يحتاج الأردن إلى سيادة القانون وتكافؤ الفرص ووضوح الإجراءات وسرعة إنجاز المعاملات، إلى جانب دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتشجيع القطاعات المنتجة والمبتكرة، وربط التعليم والتدريب باحتياجات سوق العمل، وتحسين كفاءة استخدام المياه والطاقة. وينبغي أن يصل أثر النمو إلى مختلف المحافظات، وأن يتحول الاستثمار إلى فرص عمل لائقة وتحسن ملموس في حياة المواطنين.
أما حماية المواطنين من الفساد والبطالة، فتبدأ بالشفافية والمساءلة وتكافؤ الفرص، وبأنظمة رقابة فعّالة ومحاسبة عادلة. وتحتاج مواجهة البطالة إلى تطوير التعليم والتدريب، ومساندة ريادة الأعمال، وربط الباحثين عن عمل بالفرص المتاحة، مع قياس النتائج بوضوح. وفي القضايا الوطنية، ينبغي حماية الأردن وسيادته وهويته وحقوق الأردنيين، ودعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ورفض التهجير القسري وأي طرح يجعل الأردن بديلاً عن فلسطين، مع الحفاظ على الوحدة الوطنية والخطاب المسؤول.
ويمكن للقرار الهجين أن يجمع بين التحليل العلمي والبيانات والتقنيات الحديثة من جهة، والخبرة والحكمة والتقدير الإنساني من جهة أخرى. لكن الأدوات وحدها لا تكفي؛ فلا بد من مسؤولية أخلاقية، ومعرفة بواقع المجتمع، ومشورة واسعة، ومؤسسات تحاسب وتقيس الأثر.
حين تجتمع الرؤية والتخطيط والخبرة المحلية والدولية والمشورة والمساءلة، يصبح القرار الوطني أكثر نضجاً وقدرة على تحقيق الاستقرار وجذب الاستثمار وتحسين حياة المواطنين. فبوصلة الوطن منظومة متكاملة: قيادة ترسم الاتجاه، وحكومة تنفذ بكفاءة، وكفاءات تشارك في صنع القرار، ومواطنون يسهمون في البناء. بذلك يواجه الأردن تحدياته بثبات، ويصنع مستقبلاً أكثر أمناً وعدلاً وازدهاراً.
بوصلة الوطن هي الأهم والمقياس الحقيقي الوحيد الذي يمكن أن يحقق أهداف النجاح و اقصر الطرق .

