صراحة نيوز – كتب: ماجد القرعان
“الكرك كرك”؛ عبارة تختزل عمق التاريخ ورسوخ الجغرافيا وثبات الهوية الأردنية التي لا تتغير مهما تبدلت الظروف.
فالكرك، كاسم وفعل وموقف، تقرأ من اليمين كما تقرأ من اليسار لتبقى ثابتة على مبادئها في وجه الأعاصير.
مدينة الكرك تظل في الوجدان الأردني أكثر من مجرد إحداثيات جغرافية أو حجارة قلعة شاهقة تعلو السحاب؛ إنها “روح المكان” وعنوان الكرامة والإباء.
وحين تذكر الكرك، يستحضر الأردنيون إرثاً ممتداً من الصمود، وتاريخاً صيغ بالتضحية والشهامة والعيش المشترك.
لم تكن الكرك يوماً مجرد شاهد صامت على التاريخ، بل كانت صانعة للمواقف الحاسمة التي حمت نسيج الوطن:
وقفت الكرك بمسلميها ومسيحييها في وجه الظلم والتعسف العثماني عبر ثورة شعبية جسدت نخوة العشائر الأردنية ورفضها لسياسات القمع، لتسجل بدمائها فصلاً مبكراً من فصول الحرية والوعي الوطني.
وأرض الكرك تحتضن أضرحة قادة معركة مؤتة (جعفر الطيار، وزيد بن الحارثة، وعبد الله بن رواحة)، فامتزج ترابها بعبق التاريخ الإسلامي والتضحية من أجل المبادئ.
أهل الكرك بجميع مكوناتهم، مسلمين ومسيحيين وكما جميع الأردنيين من كافة الأصول والمنابت يثبتون كل يوم أنهم نسيج واحد لا ينفصم عند كل محاولة غادرة لبث التفرقة أو النيل من السلم المجتمعي، تتوحد أجراس الكنائس مع مآذن المساجد، ويقف الأبناء صفاً واحداً لحماية دور العبادة وحفظ العهد التاريخي للعيش المشترك.
الهجوم الإرهابي الغادر الذي استهدف كنيسة قرية حَمّود في الكرك، يمثل لحظة اختبار حقيقية تبرهن عملياً على المعاني والمواقف التي تميزت بها الكرك عبر التاريخ.
الاعتداء، الذي استهدف المدنيين والمشيعين الأبرياء أثناء مراسم جنازة عائلية داخل الكنيسة، لم يكن مجرد جريمة جنائية، بل محاولة فاشلة لضرب ركيزة “العيش المشترك” والوحدة الوطنية التي لطالما كانت الكرك حصناً منيعاً لها.
وبدلاً من أن يحقق الهجوم غايته في إحداث شرخ، تداعى الأردنيون وأهالي الكرك على الفور لرفض هذا العمل الإجرامي تحت شعار “الكنائس بيوتنا”.
وكما دحرت الكرك الخلايا الإرهابية في أحداث القلعة الشهيرة عام 2016، تبرهن اليوم الأجهزة الأمنية بملاحقتها الحازمة للجناة، وبدعم شعبي مطلق، أن الكرك تظل دائماً “خشم العقاب” لكل من يحاول العبث بأمنها.
إن دماء الشهداء الأبرياء في كنيسة حمود تزيد من صلابة الجبهة الداخلية، وتؤكد أن قوى الظلام لن تجد في الكرك إلا الانتماء والوحدة والقصاص العادل.
هذه الهبّة الوطنية التلقائية والإدانات الواسعة تعيد إلى الأذهان مواقف “هية الكرك” التاريخية، حيث يثبت أهل المدينة في كل منعطف أمني أنهم يقفون صفاً واحداً خلف أجهزتهم الأمنية والقيادة الهاشمية لحفظ سيادة القانون ودحر التطرف.
تميزت الكرك تاريخياً بفتح أبوابها للنزيل والضيف، فامتاز أهلها بالكرم والنخوة، مقاسمين الخبز والزيتون مع كل من لجأ إليهم، دون مساومة على سيادة وطنهم أو أمنه.
ستبقى الكرك، بقلعتها الرابضة على المرتفعات وجبالها المطلة على البحر الميت، الحصن الذي تتحطم على أعتابه كل المؤامرات ودعوات التطرف.
“الكرك كرك” بأهلها الذين يتقنون الإباء، وبرجالها الذين جعلوا من الانتماء سلوكاً يومياً، لتظل هاماتها شامخة لا تنحني، وفية للأردن ولقيادته الهاشمية.

