صراحة نيوز – كتب مالك عبيدات _ في قراءة أعمق لما شهدته محافظة الكرك، تبرز ضرورة التعامل مع الحادثة بعيدًا عن التسرع في توجيه الاتهامات أو تبني روايات غير مستندة إلى أدلة موثوقة، مع التأكيد على أن مواجهة الإرهاب والتطرف تبدأ بكشف الجهات التي تقف خلف هذه التنظيمات، ومصادر تمويلها، والأطراف التي روّجت لأفكارها وأسهمت في تجنيد الشباب الأردني في صفوفها.
إن صُنّاع تنظيم داعش، ومموّليه، ومروّجي أفكاره، والجهات التي استثمرت في نشر الفكر المتطرف وتجنيد الشباب، أطراف لا يمكن فصل مسؤولياتها عن السياق الأوسع الذي نشأت فيه هذه التنظيمات وتوسعت. ومن هنا، فإن أي تحليل جاد لما جرى يجب أن ينطلق من الوقائع والأدلة والتحقيقات الرسمية، لا من فرضيات جاهزة أو محاولات لتوجيه الأنظار نحو أطراف بعينها دون إثبات.
وفي هذا السياق، فإن تنظيم داعش وأي خلايا أو مجموعات مرتبطة به تظل موضع مساءلة عن الجرائم التي تثبت صلتها بها، كما أن ما يجري في سوريا من تحولات أمنية وسياسية يستدعي قراءة دقيقة للمشهد، بعيدًا عن التبسيط أو اختزال المشهد المعقد في رواية واحدة. كذلك، فإن توجيه الاتهام إلى إيران أو غيرها في أي حادثة لا يجوز أن يكون بديلًا عن التحقيق المهني الذي يحدد المسؤوليات استنادًا إلى الأدلة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية عند الحديث عن شهداء مجزرة حمود، الذين عُرفوا، وفق ما يطرحه هذا الموقف السياسي، بمواقفهم الوطنية ومؤازرتهم لقضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية ومناهضة الاحتلال الإسرائيلي. ومن هنا، فإن استحضار مواقف الضحايا وانتمائهم الوطني والسياسي يجب أن يكون مدخلًا لفهم السياق العام، لا وسيلة لإطلاق استنتاجات نهائية بشأن هوية الجهة المسؤولة قبل استكمال التحقيقات.
**الكرك.. نموذج للاعتدال والتعايش**
لا يمكن النظر إلى الكرك باعتبارها مجرد موقع جغرافي شهد حادثة أمنية؛ فهي تمثل جزءًا أصيلًا من الهوية الأردنية، بما تحمله من إرث تاريخي ووطني، وما تجسده من قيم الاعتدال والتسامح والتعايش بين أبناء المجتمع الأردني بمختلف مكوناته.
وتحظى الكرك بمكانة تاريخية وروحية بارزة، وترتبط بذاكرة دينية وحضارية تعكس عمق حضورها في تاريخ المنطقة. كما يشكل التعايش بين المسلمين والمسيحيين في الأردن إحدى الركائز الأساسية للنموذج الوطني الذي حافظ على قيم المواطنة المشتركة واحترام حرية العبادة والمعتقد.
وقد برزت أهمية هذا النموذج في ظل ما شهدته المنطقة من تصاعد مظاهر التطرف والعنصرية والاعتداء على المقدسات الإسلامية والمسيحية، الأمر الذي يجعل الحفاظ على التجربة الأردنية في التعايش مسؤولية وطنية تتجاوز حدود الجغرافيا، وتمثل رسالة في مواجهة خطاب الكراهية والانقسام.
وفي هذا الإطار، فإن ما أظهره الأردن من تمسك بالتعايش واحترام المقدسات وحرية العبادة، في مقابل الانتهاكات التي يتعرض لها الفلسطينيون ومقدساتهم في الأراضي الفلسطينية المحتلة، يضع القضية في سياق أوسع يتصل بالصورة الأخلاقية والسياسية للصراع، وبضرورة حماية الحقوق الدينية والإنسانية التي تكفلها الشرائع السماوية والقوانين الدولية.
**لماذا الكرك؟ سؤال يحتاج إلى إجابات تستند إلى الأدلة**
إن التساؤل عن دلالات استهداف الكرك يظل مشروعًا في سياق التحليل السياسي والاجتماعي، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى أحكام مسبقة بشأن دوافع الحادثة أو الجهات التي تقف وراءها.
فالكرك تمثل نموذجًا للاعتدال والانتماء الوطني، كما أن التضامن الأردني مع الشعب الفلسطيني ورفض الاحتلال وسياساته يشكلان جزءًا من الموقف الوطني العام. ومن هذا المنطلق، يرى أصحاب هذا الطرح أن أي محاولة لإثارة الانقسام داخل المجتمع الأردني أو ضرب الثقة بين مكوناته قد تصب، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في مصلحة الأطراف التي تسعى إلى إضعاف المواقف العربية الداعمة لفلسطين.
وتشهد المنطقة صراعًا سياسيًا وإعلاميًا متواصلًا على الرواية والوعي وتحديد أولويات الشعوب، وسط محاولات متكررة لصرف الاهتمام عن القضية الفلسطينية وما يتعرض له الشعب الفلسطيني من احتلال وانتهاكات. غير أن ربط أي حادثة أمنية بهذه المحاولات يتطلب أدلة واضحة، حتى لا يتحول التحليل السياسي إلى اتهام غير مثبت، أو تصبح المواقف المبدئية بديلًا عن الحقائق التي ينبغي أن تكشفها التحقيقات.
إن خطورة الإرهاب لا تقتصر على الخسائر البشرية التي يتسبب بها، بل تمتد إلى محاولاته ضرب الثقة بالمجتمع، وإثارة الخوف والشكوك، ودفع المواطنين إلى الانقسام على أسس سياسية أو دينية أو اجتماعية. ولذلك، فإن التصدي لهذه المخاطر يتطلب موقفًا وطنيًا موحدًا، وخطابًا مسؤولًا يرفض التطرف ويحمي السلم الأهلي، من دون التنازل عن حق المجتمع في معرفة الحقيقة ومحاسبة المسؤولين.
**الأردن لن يسمح بالعبث بنسيجه الوطني**
إن الأردن، الذي واجه تحديات أمنية وسياسية متعاقبة، يدرك أن حماية الاستقرار لا تتحقق بالإجراءات الأمنية وحدها، على أهميتها، بل تتطلب أيضًا تعزيز الثقة بين المواطنين، وترسيخ قيم المواطنة، ومواجهة الأفكار المنحرفة التي تحاول استغلال الدين أو الخلافات السياسية لتبرير العنف والإرهاب.
ولا يمكن السماح لأي تنظيم متطرف بأن يفرض أجندته على المجتمع الأردني، أو أن يحول الاختلاف في الرأي والموقف السياسي إلى ذريعة للعنف أو الاعتداء على الآخرين. فالدولة الأردنية ومؤسساتها والمجتمع بكل مكوناته معنيون بحماية الوحدة الوطنية، وصون كرامة المواطنين، والتصدي لكل من يحاول تهديد أمن البلاد واستقرارها.
كما أن مواجهة التطرف تتطلب عدم الخلط بين المواقف السياسية المشروعة وبين الفكر الإرهابي، وعدم السماح باستغلال الحوادث الأمنية لتوسيع دائرة الاتهام أو تأجيج الخلافات الداخلية. فالوحدة الوطنية لا تعني إلغاء الاختلاف، بل تعني إدارة الاختلاف في إطار القانون، والاحتكام إلى المؤسسات، والتمسك بحق الجميع في الأمن والكرامة والمواطنة المتساوية.
وفي المحصلة، فإن الكرك ليست مجرد عنوان لحادثة مؤلمة، بل هي جزء من قصة وطن تشكلت هويته على قيم الاعتدال والتعايش والوقوف إلى جانب القضايا العربية العادلة، وفي مقدمتها فلسطين. وأي محاولة للمساس بأمنها أو استغلال ما يجري فيها لإثارة الانقسام تمثل تحديًا يستوجب أعلى درجات الوعي والمسؤولية.
إن الحقيقة الكاملة يجب أن تظهر من خلال التحقيقات والأدلة، والمسؤولون عن أي جريمة يجب أن يحاسبوا وفق القانون، أما الأردن فلن يقبل بالأفكار المنحرفة، ولن يسمح بالعبث بنسيجه الوطني أو تحويل خلافاته السياسية إلى مدخل للإرهاب والانقسام.
فحماية الأردن ووحدته الوطنية، والتمسك بحق الشعب الفلسطيني في الحرية، ورفض التطرف والإرهاب، ليست قضايا متعارضة، بل ركائز لموقف وطني يقوم على سيادة الدولة، وكرامة الإنسان، والعدالة، ورفض كل أشكال العنف والتعصب.

