شبلي العجارمة يكتب: نستالوجيا

2 د للقراءة
2 د للقراءة
شبلي العجارمة يكتب: نستالوجيا

{ أوجاع كاملة الدسم }

صراحة نيوز – كتب شبلي العجارمة – بعد ستٍ وخمسين سنة ؛ أدركت معنى تلك التنهيدة التي كانت تتكاثف في صدر أبي ؛ رشفة شايٍ قرويٍّ معتقة ، ومجةّ سيجارةٍ هيشيةٍ غليظة، كانت هذه طقوس التنهيدة على رأس كل معاش آخر الشهر تحت ظلة الزيتونة العجوز ، مثل غيمةٍ حائرة بين التشرينين وأول الكوانين .

 

كانت سين التسويف حرفًا وحيدًا يصطف بالمجان أمام كل أمنيات أبي وأمي ونحن ،كانت تلك السين هي الحقنة الكلامية المخدرة لكل أوجاع الحاضر واستشفاء المستقبل .

 

كان الوطن حكاية في محفظة أبي البالية ، كان يخرج حواديثه عن حروبه قصاصات من الألم والأمل ، كان يحترم غيبة الوطن كما يقدر حضوره ، لم تكن الإصلاحات من بذخ الكلام المنمق الذي يجتره والدي ؛ بقدر ما كان يحب أغنية سعدون جابر :(يا وطن يا خبز يا وطن يا خبز ) .

 

لم أكن أعرف معنى كلمات تلك الأغنية ، ولم تكن لدي ذائقة الربط بين الوطن والخبز ، حين كبرت أدركت أن الخبز مجلد من الحاجة ، ومكتبة من الفقر والجوع ، أدركت أن الخبز ورق كالح الملامح ينحاز إلى موائد الفقراء ، يميل إلى الحق بلا نخوة ولا استجابة لمقالات أو تقارير صحفية مزورة .

 

رحل والدي وترك لي تلك التنهيدة الخالدة، أتبلغ بها ما تبقى من خريف العمر وحصائد الأمنيات الخائبة، لكن صدر أبي كانت تستوطنه التنهيدة وكأنه مسقط رأسها الذي ولدت فيه، فأبي – رحمه الله – بقي ينظر إلى إلى الوطن من فوهة مدفعه ، يشتم رائحة التراب الذي تطاير من غبار حذائه العسكري في الحرب ، كان يبدد ذلك الرضا تضاؤل راتبه ، فيتمرد أبي على وطنيته ويعلن ثورة جديدة بأن يبعثني ادمان القرية لأشتري له علبتي سجائر ليجعل صخب ثورته واحتجاجه ومفحمة عقوقه لوطنه في صدره ، فيشعل عشرات السجائر برفقة عشرات كؤوس الشاي حتى يخمد أنينه ،وتنام كل تنهيداته .

 

ترك لي ذلك الإرث والفوضى العارمة من التناهيد ، إلا ظل التينة العجوز وسيجارة الهيشي والحصيرة البالية

شارك هذا المقال