صراحة نيوز – كتب: محمد نجيب – الأردن أمام معادلة أمنية جديدة: حماية الحدود لا تكفي إذا بقيت الموارد مهددة والجبهة الداخلية عرضة للاختراق
لم يبدأ الملك عبد الله الثاني خطاب العرش أمام مجلس الأمة بالحديث عن إنجازات الحكومات، ولا بالتحديات الاقتصادية أو التحولات الإقليمية، وإنما بدماء شهداء الكرك، الذين سقطوا في الاعتداء الإرهابي الأخير على كنيسة في قرية حمود، وكأن الملك أراد أن يضع الجميع، حكومةً وبرلمانًا ومواطنين، أمام حقيقة لا تحتمل التأويل؛ أن الخطر الذي يهدد الأردن ليس افتراضيًا، وأن الإرهاب الذي يظن البعض أنه أصبح من مخلفات الماضي لا يزال قادرًا على استهداف أمن المملكة ووحدتها الوطنية.
غير أن القراءة الأمنية المتأنية للخطاب تكشف أن الملك لم يكن يتحدث عن الإرهاب وحده، بل عن منظومة متشابكة من التهديدات الداخلية والإقليمية والاستراتيجية، تتفاوت مصادرها، لكنها تلتقي عند نقطة واحدة: قدرة الدولة الأردنية على حماية مواطنيها ومصالحها ومواردها، دون التفريط بقيمها أو السماح للأزمات الخارجية بإضعاف تماسكها الداخلي. وهنا تكمن، في تقديري، أهمية الخطاب؛ ليس في بلاغته وحدها، وإنما في ترتيب أولوياته، وما حمله من رسائل صريحة للمؤسسات التي تقع عليها مسؤولية ترجمتها إلى واقع.
الكرك… الإرهاب يريد ما هو أبعد من الضحايا
حين وصف الملك منفذي الاعتداء الإرهابي بأنهم “خرجوا عن عائلتنا الأردنية العظيمة”، لم يكن يستخدم تعبيرًا عاطفيًا عابرًا، وإنما وضع الجريمة في سياقها الأخطر: استهداف النسيج الوطني والتعايش الديني، اللذين يشكلان أحد عناصر استقرار الأردن. فاختيار كنيسة أثناء مناسبة اجتماعية ودينية يحمل دلالة تتجاوز إيقاع الضحايا؛ إذ يفتح احتمال أن يكون الهدف أيضًا إثارة الخوف بين مكونات المجتمع، ودفعها إلى الارتياب المتبادل، وإظهار الدولة عاجزة عن حماية مواطنيها.
لكن تحديد الدوافع التنظيمية للمنفذين وصلاتهم المحتملة يجب أن يبقى رهنًا بنتائج التحقيقات، لا بالاستنتاجات المسبقة. ومن منظور أمني، فإن الرد على جريمة الكرك لا يكتمل بملاحقة المتورطين ومعاقبتهم، رغم ضرورة ذلك، وإنما يتطلب مراجعة أعمق: كيف تشكلت الخلية؟ وما قنوات التأثير والتطرف التي خضع لها أفرادها؟ وهل كانت هناك مؤشرات سابقة لم تُقرأ بصورة صحيحة؟
هذه الأسئلة لا تنتقص من كفاءة المؤسسات الأمنية، وإنما تمثل جوهر العمل الاستخباري الحديث، الذي يقيس نجاحه بقدرته على منع الجريمة قبل وقوعها، وليس فقط بكفاءته في التعامل مع مرتكبيها بعدها، كما أن حماية الوحدة الوطنية تقتضي عدم السماح للإرهاب بتحقيق هدف ثانٍ بعد الجريمة، يتمثل في توسيع الشكوك والانقسامات داخل المجتمع.
إسرائيل… التهديد الذي يتجاوز فلسطين
في الشأن الإقليمي، جاءت عبارة الملك بأن “الأطماع التوسعية الإسرائيلية أكبر تهديد لمستقبل المنطقة وآمالها” لتضع السياسات الإسرائيلية ضمن صدارة المخاطر الاستراتيجية، لا باعتبارها قضية تضامن عربي فحسب؛ فالأردن، بحكم موقعه الجغرافي وارتباطه التاريخي والسياسي بالضفة الغربية والقدس، ليس مراقبًا محايدًا لما يجري غرب نهر الأردن.
إن التوسع الاستيطاني والحديث عن ضم الأراضي، وأي سياسات قد تدفع السكان الفلسطينيين نحو النزوح القسري، تحمل تداعيات مباشرة على المصالح الأردنية، حتى لو جرى تنفيذها داخل الأراضي الفلسطينية. وتتضاعف خطورة هذه التطورات عندما تتزامن مع اضطرابات جنوب سوريا، واحتمالات نشوء ترتيبات أمنية جديدة بالقرب من الحدود الشمالية. والتحدي الأردني هنا هو كيفية حماية المصالح الحيوية للمملكة في بيئة إقليمية تتغير فيها الوقائع العسكرية بسرعة، مع المحافظة على أدوات التأثير الدبلوماسي والسياسي، وتجنب الانجرار إلى مواجهات تفرضها حسابات الآخرين؛ فالسياسة الأمنية الناجحة ليست التي ترفع مستوى التصعيد كلما تصاعدت التهديدات، بل التي تمتلك القدرة على الردع وإدارة الأزمات ومنع انتقالها إلى الداخل.
“المياه، المياه، المياه”… أخطر التحذيرات الاستراتيجية
ولعل العبارة الأشد دلالة في خطاب الملك لم تكن موجهة إلى الإرهابيين أو إسرائيل، وإنما إلى الحكومة، عندما كرر ثلاث مرات كلمة واحدة: “المياه، المياه، المياه!” فحين يعلن الملك أن الأمن المائي أولوية وطنية لا تقبل المساومة أو المهادنة، فإنه ينقل هذا الملف من دائرة الخدمات العامة إلى صميم الأمن القومي، وليس ذلك توصيفًا مبالغًا فيه؛ فالأردن من أكثر دول العالم فقرًا بالمياه، إذ لا تتجاوز موارده المائية المتجددة نحو 61 مترًا مكعبًا للفرد سنويًا، مقابل 500 متر مكعب تمثل الحد المتعارف عليه للندرة المائية المطلقة.
وتكمن الخطورة في أن الأزمة لا ترتبط بشح الموارد الطبيعية وحده، وإنما أيضًا بالتغير المناخي، والزيادة السكانية، واستنزاف المياه الجوفية، وفاقد شبكات التوزيع، والاعتماد الجزئي على موارد مائية مشتركة عابرة للحدود. ومن هذه الزاوية، يصبح أمن المياه مرتبطًا بالأمن الحدودي وأمن الطاقة والبنية التحتية والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي؛ فأي اضطراب كبير في إمدادات المياه قد ينعكس على الصحة العامة والزراعة والصناعة وأسعار السلع، ويولد ضغوطًا اجتماعية لا تقل خطورة في تداعياتها عن بعض التهديدات الأمنية التقليدية.
ولهذا، فإن مشروع الناقل الوطني، الذي يستهدف تحلية نحو 300 مليون متر مكعب سنويًا ونقل المياه من العقبة عبر منظومة تمتد قرابة 438 كيلومترًا، ينبغي التعامل معه باعتباره مشروعًا استراتيجيًا للأمن الوطني، لا مجرد استثمار حكومي كبير. لكن تأمين التمويل وإنجاز المشروع ليسا نهاية المهمة؛ إذ تتطلب هذه المنشآت حماية مستدامة، وطاقة موثوقة، وقدرة على مواجهة الأعطال والأزمات، بالتوازي مع معالجة فاقد المياه ورفع كفاءة إدارتها. فليس من المنطقي أن تنفق الدولة مليارات الدنانير لإنتاج مياه جديدة، بينما تستمر خسارة كميات كبيرة من المياه التي تصل أصلًا إلى شبكاتها.
الجبهة الداخلية… الأمن لا يُصنع بالأجهزة وحدها
أما الربط الذي أقامه الملك بين قوة الدولة ودور مجلس الأمة، حين اعتبر الاختلاف في الرأي قوة ما دامت مصلحة الأردن هي الغاية، وحذّر من إساءة استخدام المناصب والنفوذ، فتلك رسالة أمنية وسياسية في آنٍ واحد؛ فمناعة الجبهة الداخلية لا تنشأ من غياب الأصوات الناقدة، وإنما من ثقة المواطنين بأن مؤسساتهم تحمي حقوقهم، وأن القانون يُطبّق على الجميع، وأن البرلمان يمارس رقابته على الحكومة بدلًا من الاكتفاء بمساندتها.
إن الفساد الإداري، وضعف الكفاءة، وتعطيل مصالح الناس، ليست مجرد مشكلات خدمية؛ فهي تضعف الثقة العامة التي تحتاج إليها الدولة في أوقات الأزمات. والأمن الوطني الحديث يقوم على معادلة متكاملة: أجهزة قوية تحمي الدولة من الأخطار، ومؤسسات عادلة تحمي المواطنين من التعسف، واقتصاد قادر على توفير الفرص والحد من الهشاشة الاجتماعية. ولهذا تكتسب مطالبة الملك بتسريع المشاريع الاقتصادية الكبرى معناها الحقيقي عندما تقترن بآليات تنفيذ ومواعيد محددة ومحاسبة للمسؤولين عن التعثر، لا ببيانات حكومية تعلن نسب الإنجاز دون أن يشعر المواطن بنتائجها.
ما بعد الخطاب… الامتحان الأصعب
لقد وضع خطاب العرش المؤسسات الأردنية أمام ثلاثة اختبارات متزامنة: منع تكرار جرائم الإرهاب، وحماية المصالح الأردنية من ارتدادات الصراعات الإقليمية، وتأمين الموارد الأساسية التي يقوم عليها استقرار المجتمع والدولة. لكن نجاح التعامل مع هذه التحديات لن يُقاس بقوة الخطاب أو حجم التأييد الذي يحظى به، وإنما بما ستنجزه الحكومة، وما سيراقبه البرلمان، وما ستكشفه المراجعات الأمنية، وما سيلمسه الأردنيون في حياتهم.
فالخطر على الدول لا يأتي دائماً من جيش يعبر حدودها، أو خلية إرهابية تخطط لاستهداف مواطنيها؛ فقد يبدأ أيضاً من عجز مائي مزمن، أو مؤسسة تتراجع كفاءتها، أو فجوة تتسع بين المواطن والدولة، وهذه هي الرسالة التي تستحق التأمل في خطاب الملك: إن حماية الأردن لم تعد مسألة الدفاع عن أرضه وحدها، بل الدفاع عن مقومات بقائه واستقراره ومستقبله.
فالدولة القوية ليست التي تستطيع مواجهة الأخطار عندما تصل إليها فحسب، وإنما التي تملك من البصيرة والكفاءة ما يجعل وصولها أقل احتمالًا، وتداعياتها أقل كلفة. وبين دماء شهداء الكرك، وأطماع إسرائيل، وقطرة الماء التي يخشى الملك أن يصبح ظمأ الأردنيين رهينة لها، تتحدد أولويات الأمن الوطني الأردني للمرحلة المقبلة. أما المسؤولية الأكبر، فقد انتقلت الآن من منصة الخطاب إلى مكاتب المسؤولين وغرف القرار، حيث لا تكفي البلاغة، ولا تنفع الشعارات، ولا يُقاس الإخلاص للوطن بما يُقال عنه، بل بما يُنجز من أجله.
