صراحة نيوز – كتب احمد ايهاب سلامة – يخطف الزمن عمرك على حين غفلة وربما كنت تدري لكنك تتواطأ مع نفسك وتضحك عليها وتكابر!
ثم تستفيق بغتة، لتلتقي بذاتك التي لم تعد ذاتك وبوجهك الذي لم يعد يشبه وجهك، تفاجأ بأن طائرتك الورقية، التي كنت تحلق معها بضحكاتك الطفولية قد قطع خيطها ومضت تحمل أحلامك وآمالك البريئة إلى أقاصي المدى وتركتك وحيدا هنا.
تكتشف أن كل شيء قد تبدل وأن الحزن وحده ظل محتفظا بأناقته وعنفوانه وحضوره وحدها دموعك بقيت بملوحتها الأولى، تأبى النضوب وتأبى الذاكرة اغتيالها.
تدرك في قرارة نفسك أن ما ولى قد ولى وأنه لن يعود كما كان وأن السفينة التي غادرت موانئ عمرك لن ترسو فيها ثانية وأن النوارس التي حلقت صوب الغياب خلفت وراءها شواطئ قلبك قاحلة.
تمضي وحيدا، عاريا من أوهامك في مدينة الفضيحة تحاول إشعال قنديل في شوارع العتمة القبيحة!
ترتشف قهوتك الصباحية، فتستحضر شيئا كان يسمى الابتسامة، تفتش في ذاكرة أطلقت عليها ألف رصاصة عن آخر ضحكة عفوية خرجت من قلبك، فلا تعثر عليها.
تحاول انتزاع لحظة دهشة من بين ركام الخيبات كتلك التي أمسكت فيها أصابع حبيبة دوخت الكون بأهداب عينيها، فأطرقت حياء من نظراتك وتركت قلبك معلقا بها إلى الأبد.
تحاول إعادة ضبط قلبك على إيقاعه الأول، أن تسترد إنسانيتك التي أرهقتها مدن الوشاية والنفاق والنميمة وغابات البشر، فتكتشف أن قلبك الذي كان لك قد خرج ذات يوم ولم يعد!
تستوقفك الحياة عند أغنياتك القديمة وكتبك التي خبأت بين صفحاتها رسائل غرامك الأولى وحديقة منسية في حارة طواها الزمان، تشابكت فيها أصابع عاشقين للمرة الأولى.
وفي مساء بعيد، تجلس إلى نفسك وتشاهد فيلما حزينا رافق طفولتك وظل عالقا على أهداب عمرك اعوام عديدة، تعيد مشاهدته بالنشوة ذاتها فتنساب الدموع نفسها، كأن عشرون عاما لم تكن سوى الأمس وكأن العمر الذي تسرب من بين أصابعك لم يغادر بعد.
تستحضر طفولتك وصباك وتجلس إلى الفتى الذي كنته، ذلك الذي كان يرتوي عشقا من قلبه مع كل رفة رمش لحبيبة رحل وأحرقت خلفها سفن العودة وعناوين اللقاء.
تعتزل الدنيا لحظة، البشر والمقاهي ومواقع التواصل والمكالمات المزعجة وأحاديث السياسة المستهلكة بل تعتزل حتى ظلك، تبحث عنك في متاهات نفسك
لعلك تعثر على شيء منك بين أنقاض السنين.
لكنك، حين تعود إلى واقعك تكتشف الحقيقة الأكثر قسوة:
لم يتغير كل شيء فحسب.. لقد تغيرت أنت أيضا
وربما كان ذلك هو الفقد الأكبر!

