صراحة نيوز – بقلم: شادي عيسى الرزوق
ماجستير إدارة الأعمال والتسويق
لم يعد خطر التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها تنظيم داعش المتأكل اساسا ، مقتصراً على العمليات المسلحة أو المواجهات الأمنية، بل أصبح يمتد إلى عقول الشباب وأفكارهم، مستغلاً الظروف الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والدينية التي قد يعيشها بعضهم.
وفي الأردن، الذي عُرف بتاريخه القائم على المواطنه الصالحه وحق الحياة وقيمة الإنسان العليا ( الإنسان اغلى ما نملك ) والتنوع الديني والاجتماعي والاعتدال، يبرز سؤال يستحق الوقوف أمامه بجدية: كيف يمكن لشاب أردني أن يقتنع بفكر تنظيم إرهابي يبرر القتل والتكفير والعنف باسم الدين؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن اختصارها في البطالة أو الفقر أو ضعف الوعي الديني، فالتطرف ظاهرة متعددة الأسباب، تتداخل فيها عوامل عديدة، وقد تختلف دوافعها من شاب إلى آخر.
أولاً: البطالة والإحباط وفقدان الأمل: –
إن الظروف الاقتصادية الصعبة، وارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبة الحصول على فرص العمل، وتأخر الاستقرار وتكوين الأسرة، قد تولد لدى بعض الشباب شعوراً بالإحباط والتهميش.
وعندما يشعر الشاب بأن المجتمع لم يمنحه الفرصة التي يستحقها، وأن المستقبل أصبح غامضاً أمامه، قد يصبح أكثر قابلية للاستماع إلى الخطابات المتطرفة التي تعده بالقوة والكرامة والتغيير السريع.
لكن من الضروري التأكيد أن الفقر والبطالة لا يصنعان إرهابياً بالضرورة، وإنما قد يشكلان بيئة تستغلها التنظيمات المتطرفة إلى جانب عوامل أخرى .
ثانياً: استغلال الدين وتزييف الوعي
من أخطر الأساليب التي يعتمدها تنظيم داعش استغلال المشاعر الدينية لدى الشباب، من خلال تقديم تفسيرات انتقائية ومحرّفة للنصوص الدينية، واستخدام مفاهيم مثل الجهاد والخلافة والشهادة لتبرير القتل وإلغاء الآخر.
إن الدين لا يمكن أن يكون غطاءً للإرهاب، ولا يجوز لأي جماعة أن تحتكر تفسيره أو تمنح نفسها الحق في تكفير الناس واستباحة دمائهم.
وهنا تبرز أهمية المؤسسات الدينية في نشر المعرفة الصحيحة، وتعزيز ثقافة الحوار، ومواجهة الفكر التكفيري بالحجة والعلم.
ثالثاً: أزمة الهوية والانتماء:-
قد يبحث بعض الشباب عن جماعة تمنحهم الشعور بالأهمية والقوة والانتماء، خصوصاً عندما يعانون من الوحدة أو ضعف الثقة بالنفس أو غياب الدور الاجتماعي.
وتستغل التنظيمات الإرهابية هذه الحاجة، فتقدم للشاب هوية مغلقة وتصوراً زائفاً بأنه ينتمي إلى جماعة مختارة تمتلك الحقيقة وحدها.
وبذلك يتحول البحث عن الانتماء إلى وسيلة للتجنيد والتأثير الفكري.
رابعاً: وسائل التواصل الاجتماعي والتجنيد الإلكتروني :-
أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي إحدى الأدوات التي تستخدمها التنظيمات الإرهابية للوصول إلى الشباب، من خلال مقاطع الفيديو والخطابات العاطفية والدعاية المضللة.
وتحاول هذه التنظيمات استغلال مشاهد الحروب والدمار ومعاناة المدنيين لإثارة الغضب والكراهية والانتقام، ثم تحويل هذه المشاعر الإنسانية إلى مبررات للعنف والتطرف.
وهذا يفرض مسؤولية كبيرة على الأسرة والمدرسة والإعلام في تعزيز الوعي الرقمي، وتعليم الشباب كيفية التحقق من المعلومات وعدم الانسياق وراء الخطابات التحريضية.
خامسا:مسؤولية المجتمع الأردني:
إن مواجهة التطرف ليست مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، رغم أهمية دورها في حماية الوطن ومواجهة التنظيمات الإرهابية، بل هي مسؤولية وطنية مشتركة.
فالأسرة مطالبة بالاقتراب من أبنائها والاستماع إليهم وفهم مشكلاتهم، والمدرسة والجامعة مطالبتان ببناء شخصية قادرة على التفكير والنقاش، والمؤسسات الدينية مطالبة بتعزيز الاعتدال واحترام الإنسان، كما أن المؤسسات الاقتصادية مطالبة بتوسيع فرص العمل وتحقيق العدالة في الفرص.
ولا بد أيضاً من توفير مساحات حقيقية للشباب للمشاركة في الحياة العامة والشعور بأن لهم دوراً مؤثراً في بناء مستقبل وطنهم.
سادساً: الأردن والمواطنه وحرمة الدم الإنساني :
إن الأردن نموذج اجتماعي له خصوصيته في المواطنه بين المسلمين والمسيحيين، وفي العلاقات التي تجمع أبناء المجتمع الواحد بمختلف خلفياتهم الدينية والاجتماعية.
ومن المهم حماية هذه القيم وتعزيزها، لأن خطاب الكراهية والطائفية والتكفير يتعارض مع أسس المواطنة المتساوية المشتركة
إن اختلاف الدين أو المذهب أو الرأي لا يمنح أحداً الحق في الاعتداء على حياة الآخرين أو كرامتهم.
فالوطن لا يُبنى بالخوف والكراهية، بل بالعدالة والمحبة واحترام الإنسان وسيادة القانون وهو ما نحن عليه اساسا.
الخاتمة: هل نواجه الإرهاب أم نواجه أسبابه أيضاً؟
إن مواجهة داعش لا تبدأ فقط عند ظهور السلاح، بل تبدأ قبل ذلك بكثير، عندما نلاحظ شاباً فقد الأمل، أو أصبح أسير خطاب الكراهية، أو يبحث عن إجابات لأسئلته في مصادر مضللة.
إننا بحاجة إلى استراتيجية وطنية شاملة لا تكتفي بمواجهة النتائج، بل تعمل على معالجة الأسباب، وتمنح الشباب الأمل والفرصة والكرامة والشعور بالانتماء.
فالشباب الأردني ثروة الوطن الحقيقية، وحمايتهم من التطرف مسؤولية تقع على عاتق الجميع.
إن أخطر معاركنا مع الإرهاب ليست فقط معركة السلاح، بل معركة الوعي والعقل والفكر.
فحين نمنح شبابنا التعليم والفرصة والعدالة والانتماء، فإننا لا نحميهم من داعش وحده، بل نحمي مستقبل الأردن كله. ولا شك أن الأردن بقيادة الملك عبدالله الثاني المفدى حفظه الله ورعاه قادر على تحقيق مستقبل مشرق للجميع.

