صراحة نيوز – بقلم: زياد فرحان المجالي – عمّان
في عام 1090، اتخذ حسن الصبّاح من قلعة ألموت في بلاد فارس مركزاً لحركة سياسية ودينية استخدمت الاغتيال في صراعها مع خصوم أقوى عسكرياً. كان الخنجر يظهر في يد المنفّذ، لكن الفعل وراءه تنظيم وقيادة وغاية سياسية. ومن هذه الصفحة يمكن أن نبدأ سؤالاً يتجاوز زمنها: كيف تتحول قناعة الإنسان إلى قوة يستخدمها غيره؟
أما حكاية «حديقة الجنة»، حيث يُوهم الشبان بأنهم ذاقوا النعيم، ثم يُرسلون إلى الموت طلباً للعودة إليه، فقد شاعت في روايات متأخرة، خصوصاً رواية ماركو بولو. الدراسات التاريخية المتخصصة لا تثبتها وصفاً لممارسة حسن الصبّاح. لذلك نستحضرها بوصفها رواية عن استغلال الوعد بالخلاص، مع إبقاء التمييز واضحاً بين الأسطورة والتاريخ، وبين جماعات اختلفت عقائدها وسياقاتها.
ما نحتاج إلى فهمه اليوم هو قدرة جماعة على إعادة ترتيب ولاءات الفرد، حتى تصبح طاعتها عنده طريقاً إلى معنى أكبر من حياته. وتشير أبحاث نفسية إلى ارتباط الاندماج الشديد بالجماعة والالتزام بقيم تُعدّ مقدسة بالاستعداد للتضحية، في سياقات دينية وغير دينية. وهذا يفسر جانباً من قوة التعبئة، بينما يتطلب تحديد المخطط والمموّل وثائق وتحقيقاً يكشفان من يستثمر هذه القناعة.
وفي خطاب التكفير، تكتسب هذه العملية خطورة مضاعفة؛ إذ يُنزَع عن الضحية حقها في الحياة، ويُمنح المعتدي تبريراً يتصوره دينياً. وقد يقتل وهو يعتقد أنه يتقرب إلى الله. فهم هذه القناعة لا يعفيه من المسؤولية، لكنه يفتح التحقيق على من صنع التبرير وغذّاه، بدلاً من إنهاء القصة عند اليد التي نفّذت.
نصل إلى أفغانستان في الثمانينيات. دعمت الولايات المتحدة فصائل أفغانية ضد الاحتلال السوفييتي، ووصل السلاح والمال عبر باكستان، بينما اجتذبت الحرب متطوعين من بلدان متعددة. وفي تلك البيئة تأسست القاعدة عام 1988. هنا تتقاطع التعبئة العقائدية مع مصالح الدول الكبرى، لكن الدعم الأميركي للفصائل الأفغانية لا يثبت بذاته تأسيساً أميركياً مباشراً للقاعدة؛ فتقرير لجنة 11 أيلول يميّز بين مساري الدعم. والمسؤولية عن نتائج السياسة تستحق البحث حتى عندما لا تثبت علاقة قيادة مباشرة.
وللتوظيف الدولي للجماعات المسلحة وقائع موثّقة خارج هذه الساحة أيضاً. ففي حكمها عام 1986، تناولت محكمة العدل الدولية الدعم الأميركي لقوات «الكونترا» في نيكاراغوا، بما شمله من تمويل وتدريب وتسليح. يثبت المثال وجود حروب تديرها الدول عبر وكلاء، مع بقاء إثبات المسؤولية عن كل جريمة مسألة تحتاج أدلتها الخاصة.
ثم جاءت هجمات 11 أيلول 2001، ونفّذتها القاعدة، لتفتح مرحلة «الحرب على الإرهاب»، وغزو أفغانستان ثم العراق. ومن الضروري هنا التذكير بأن لجنة 11 أيلول لم تجد دليلاً على تعاون العراق مع القاعدة في تنفيذ هجمات ضد الولايات المتحدة. هكذا تجاوزت النتائج السياسية والعسكرية حدود الفاعل ومكانه، وأصبح الخوف قوة مؤثرة في القرارات التي أعادت تشكيل المنطقة.
وفي العراق، أعقب غزو 2003 حلّ الجيش ومؤسسات أمنية. ومع الصراع الطائفي وضعف الدولة، اتسعت المساحات التي استثمرتها الجماعات المسلحة. بايع تنظيم الزرقاوي القاعدة عام 2004، ثم تطور المسار التنظيمي الذي خرج منه داعش. ولاحقاً، أتاحت الحرب السورية والحدود المنفلتة فرصاً إضافية للتوسع، وصولاً إلى إعلان البغدادي «الخلافة» المزعومة عام 2014.
كان داعش يوظّف الرغبة في الانتماء والمظالم والشعور بالإقصاء، ويعرض على المجنّد هوية ودوراً ووعداً بالخلاص. واستثمر آلة دعائية عبر الإنترنت لجذب مقاتلين من دول متعددة. ويمكن هنا استعارة صورة «الحديقة» القديمة: صار الوعد يصل عبر الشاشة، بينما ينتظر الشاب على الأرض مشروع سلطة وحرب قد يجهل جانباً كبيراً من حساباته.
عند هذه النقطة، يصبح التحقيق في صناعة الإرهاب أوسع من سيرة المنفّذ. فهو يقتضي تتبّع من أقنع ومن جنّد ومن موّل وسلّح ووجّه، وفحص صلاتهم بأجهزة الدول وشبكات المصالح. وقد تتباين مصالح الداعمين والتنظيمات، وقد ينقلب الوكيل على راعيه. لذا فإن توثيق كل صلة هو الطريق إلى مساءلة من يقف وراء العنف، ولكل طرف مسؤولية لا تلغي مسؤولية الآخر.
فاللحية واللباس لا يكشفان شبكة الإرهاب، واختطاف مفردة «الجهاد» لا يمنح القتل شرعية. وفي الأردن، كما في غيره، تبدأ الوقاية بحماية الإنسان من التحريض والتكفير، وتعليم التفكير النقدي، وملاحقة التمويل والتجنيد، إلى جانب كفاءة الأمن وعدالة القانون. ونحتاج إلى مساءلة السياسات التي تفتح أبواب الفوضى، بقدر حاجتنا إلى محاسبة من يستثمرها.
من ألموت إلى داعش، يظل السؤال الذي يستحق المطاردة: من حوّل إنساناً إلى أداة للقتل، ولأي غاية؟ محاسبة المنفّذ واجب، والوصول إلى من أقنعه ومكّنه واجب مكمّل. أما الانتصار الأعمق، فهو أن نحمي عقل الإنسان من سلطة تزعم امتلاك مفاتيح الجنة، ثم تطلب منه أن يصنع الجحيم للآخرين.
زياد المجالي : من يصنع القناعة بالقتل ومن يوظّف نتائجها ؟

