راجعوا الخطة الوطنية لمواجهة التطرف (2014).. والحذر الحذر من الحلول الانفعالية

4 د للقراءة
4 د للقراءة
راجعوا الخطة الوطنية لمواجهة التطرف (2014).. والحذر الحذر من الحلول الانفعالية

صراحة نيوز – كتب أ.د. محمد الفرجات

في مواجهة التطرف والإرهاب، لا يجوز أن تقودنا صدمة الحدث إلى قرارات متسرعة، ولا أن تدفعنا مشاعر الغضب، مهما كانت مبررة، إلى تبني إجراءات انفعالية قد تكون آثارها بعيدة المدى أكبر من نتائجها الآنية. فالدول لا تواجه الإرهاب بردود الفعل وحدها، وإنما برؤية وطنية متكاملة، تستند إلى القانون، والوعي، والمعلومة الدقيقة، والعمل المؤسسي طويل النفس.

في الأردن، سبق أن أُعدت عام 2014 خطة وطنية لمواجهة التطرف، تضمنت مقاربة متعددة الأبعاد، ولم تحصر المواجهة في الجانب الأمني، بل امتدت إلى الأبعاد الثقافية والدينية والتربوية والاجتماعية والسياسية، ووزعت أدواراً ومسؤوليات على مؤسسات الدولة. ومن هنا، فإن الدعوة اليوم إلى مراجعة تلك الخطة، وتقييم ما نُفذ منها، وما تعثر، وما أصبح بحاجة إلى تحديث، تبدو ضرورة وطنية تستحق الاهتمام، بدلاً من البدء في كل مرة من نقطة الصفر أو الاكتفاء بإجراءات ظرفية تفرضها الأحداث.

إن التطرف لا يبدأ بالضرورة من حمل السلاح، بل قد تسبقه مراحل من العزلة الفكرية، والتعبئة الأيديولوجية، وخطاب الكراهية، والتكفير، والتحريض، واستغلال المنصات الرقمية لاستقطاب الأفراد وتوجيههم. ومواجهة هذه المراحل تتطلب عملاً علمياً ومؤسسياً يشارك فيه علماء الدين المعتدلون، والتربويون، والجامعات، والإعلام، ومؤسسات الشباب، والأسرة، إلى جانب الأجهزة الأمنية المختصة. كما تتطلب تطوير أدوات الرصد والتحليل الرقمي والذكاء الاصطناعي، للكشف المبكر عن أنماط التحريض والتجنيد والدعوة إلى العنف، ضمن ضوابط قانونية واضحة، تحمي المجتمع ولا تمس الحريات أو تجعل الاختلاف الفكري موضع اشتباه.

والحذر الحذر من الخلط بين التطرف والتدين، أو بين الفكر النقدي والفكر التحريضي، أو تحميل مؤسسات اجتماعية وتربوية بأكملها مسؤولية سلوك أفراد أو جماعات، فالمؤسسة التربوية أو الدينية شريك أصيل في الوقاية وبناء الوعي، ولا يصح أن تتحول إلى طرف في دائرة الاتهام العام وفقا لتصريحات إنفعالية. المطلوب هو تحديد المسؤوليات على أساس الوقائع والأدلة، لا التعميم والانطباعات.

كذلك، فإن التعامل مع التهديدات العابرة للحدود يحتاج إلى تقدير استراتيجي هادئ، يوازن بين حماية الأمن الوطني، وحسابات الإقليم، والقانون الدولي، وتداعيات أي إجراء على أمن الأردن ومصالحه. فليس كل فعل عنيف يستدعي بالضرورة رداً انفعالياً، وليس كل استعراض للقوة دليلاً على تحقيق الأمن. هناك فرق بين الردع المحسوب والاندفاع، وبين القرار السيادي المدروس وردة الفعل التي قد تفتح أبواباً لمخاطر إضافية.

إن الأردن يمتلك خبرة مؤسسية وأمنية واجتماعية مهمة في مواجهة التطرف، ومن الحكمة البناء عليها. وأقترح تشكيل فريق وطني متخصص لمراجعة الخطة الوطنية لعام 2014، والاستراتيجيات اللاحقة، وقياس أثرها الفعلي، وتحديد الثغرات التي كشفتها التطورات الأخيرة، وصولاً إلى برنامج وطني محدّث، بمؤشرات أداء ومسؤوليات واضحة وجدول زمني للتنفيذ.

نحتاج إلى دولة يقظة، ومجتمع واعٍ، ومؤسسات واثقة من دورها، وقانون يُطبق على الجميع، وخطاب عام مسؤول لا يصنع خصومات داخلية ولا يوسع دائرة الاشتباه. فالإرهاب يستهدف أمن الدولة وتماسك المجتمع معاً، وأي مقاربة ناجحة ينبغي أن تحمي الاثنين في آن واحد.

الحكمة في إدارة الأزمات ليست في سرعة إصدار المواقف، بل في دقة التشخيص، وحسن اختيار الأدوات، وتقدير العواقب. والحذر الحذر من أن نسمح لجرائم المتطرفين بأن تدفعنا، من حيث لا نريد، إلى قرارات أو خطابات تخدم أهدافهم وتضعف مناعة مجتمعنا.

شارك هذا المقال