القرعان يكتب: خاص بنواب الأمة

5 د للقراءة
5 د للقراءة
القرعان يكتب: خاص بنواب الأمة

صراحة نيوز – كتب: الصحفي ماجد القرعان – تجمع الدراسات السياسية والاجتماعية الحديثة على أن مواجهة التطرف لا تقتصر على محاربة الفكر التكفيري العقائدي فحسب، بل تتطلب معالجة بيئات الفساد، وتجاوز القانون، وغياب العدالة الاجتماعية، التي تخلق أرضاً خصبة للتشدد.

وفي هذا السياق، يبرز دور المؤسسات التشريعية (المجالس النيابية) بوصفها حصن أمان للدولة، غير أن عدم التزام البعض للقيام بواجباتهم وفق للدستور والنظام الداخلي ، وتغليب مصالحهم الشخصية، يسهم بشكل مباشر في إضعاف ثقة المواطن بالدولة، وهو ما يستغله المتطرفون لبث سمومهم.

إذا كان الفكر التكفيري هو الأداة الأيديولوجية للتطرف، فإن هناك عوامل «موضوعية» على أرض الواقع تغذي هذا السلوك وتمنحه قوة جذب بين الشباب، وأبرزها الشعور بالظلم وغياب العدالة. فعندما يرى المواطن أن حقوقه تُسلب لصالح أصحاب النفوذ، يتولد لديه إحباط عميق قد يتحول إلى سلوك عنيف أو رغبة في الانتقام من المجتمع.

ومن هذه العوامل أيضاً المحسوبية والواسطة في التوظيف، فحرمان الكفاءات من فرص العمل وتجييرها لصالح المحاسيب يضرب قيم المواطنة والانتماء.

أما الفساد المالي وتراكم الثروات غير المشروعة، ورؤية أموال الدولة ومقدرات الشعب تُنهب دون محاسبة، فتخلق بيئة من النقمة الاجتماعية.

مؤلم ومؤسف ومستنكر أن يتحول بعض النواب من مدافعين عن حقوق الشعب إلى باحثين عن مكتسباتهم الخاصة، وهو ما يظهر، على سبيل المثال، في عدم الالتزام بالنظام الداخلي، من خلال تكرار الغياب عن الجلسات دون مبررات، أو افتعال الفوضى تحت القبة، أو تعطيل القوانين لغايات شخصية، الأمر الذي يفقد المؤسسة التشريعية هيبتها.

ومن ذلك أيضاً اللهث وراء المكتسبات المادية والمعنوية، وتحويل المقعد النيابي إلى «تجارة» لتحقيق الثروات، أو تمرير العقود والمصالح التجارية، أو حصد الألقاب والمناصب الفخرية.

ومن الممارسات المستنكرة أيضاً استغلال النفوذ في التوظيف وتحقيق المصالح، من خلال الضغط على الجهات التنفيذية لتعيين الأقارب والمحاسيب في وظائف لا يستحقونها، على حساب المواطنين المؤهلين.

أما الأخطر، والذي قد يهدد السلم المجتمعي، فهو أن تصبح «الحصانة النيابية» وسيلة للإفلات من العقاب وحماية المصالح الشخصية، بدلاً من أن تكون وسيلة لحماية الرأي السياسي للنائب. ويحدث ذلك من خلال التوافق بين جميع الأعضاء أو عدد منهم على عدم الموافقة على رفع الحصانة، بذريعة عدم إحراج الزميل، أو تسجيل موقف معه ليقف إلى جانبه في ظرف مماثل، وهو ما يمثل خللاً في الممارسة التشريعية، وعدم استجابة للمرجعيات المختصة، وفقاً للدستور، وعدم التزام بتوجيهات قائد الوطن، الذي عبّر عن ذلك بوضوح في خطاب العرش الذي ألقاه في افتتاح الدورة العادية الثالثة من عمر المجلس الحالي، حين قال بحزم: «لا حصانة لمسؤول»، ليبقى السؤال المشروع:

لمصلحة من يتجنب النواب الاستجابة لطلبات المرجعيات الرسمية برفع الحصانة عن نواب مطلوبين في قضايا مدنية أو جنائية تخص مواطنين عاديين؟

إن هذا السلوك يبعث برسالة خطيرة للمجتمع مفادها أن «النائب فوق القانون»، وأن «المواطن البسيط لا نصير له»، مما يزعزع أركان العقد الاجتماعي، ويدفع البعض إلى البحث عن وسائل غير قانونية، أو متطرفة، لتحصيل حقوقهم.

أقف مستغرباً ومشدوهاً أمام عدم استجابة نحو 35 نائباً للإجابة عن سؤال صحفي بهذا الخصوص، باستثناء طيب الذكر النائب الدكتور إياد جبرين، الذي عبّر عن موقفه بصراحة وشفافية وبمنتهى المسؤولية، مؤكداً أنه «لا يجوز أن تكون الحصانة وسيلة لحماية النائب من المساءلة أو الانتقاص من حقوق المواطنين».

وتالياً نص السؤال الذي وُجّه عبر تطبيق «واتساب» إلى نحو 35 نائباً، ونحتفظ بالمراسلات:

«ما موقفكم من رفع الحصانة عن النواب الذين ترد بحقهم، من المرجعيات المختصة، طلبات لرفع الحصانة عنهم للمثول أمام القضاء في قضايا حقوقية وجزائية مقامة عليهم من مواطنين؟ وعلى ماذا ينص النظام الداخلي للمجلس؟».

ورغم هذه التحديات، يظل الوعي الشعبي هو خط الدفاع الأول والأقوى للدولة في مواجهة الفئة الباغية والمفسدين، فالشعب قادر على تطهير مشهده السياسي ومواجهة التطرف بمختلف أنواعه.

إن محاربة التطرف تبدأ من تجفيف منابعه السياسية والاجتماعية؛ وحين يمتثل النائب أمام القضاء مثل أي مواطن، وتختفي المحسوبية، وتُحترم الأنظمة الداخلية للمؤسسات، تسقط كل الحجج التي تتغذى عليها الجماعات المتطرفة، ويبقى المجتمع محصناً بوحدته وعدالة قوانينه.

شارك هذا المقال