صراحة نيوز – د . عبدالله سرور الزعبي
في كل عام، يعود الأردنيون إلى عيد الاستقلال لا كمناسبة وطنية عابرة، بل تجسيداً لحدث عظيم يعتز به كل صغير وكبير في هذا الوطن، وكسؤالٍ مفتوح عن معنى الدولة وسرّ بقائها في إقليمٍ تتكسّر فيه الدول كما تتكسّر الأمواج على الصخور. ولم يكن ذلك صدفة، بل نتيجة تراكم تاريخي بدأ منذ تأسيس الدولة، حين اجتمع حول الهاشميين، رجال دولة آمنوا بأن الأردن ليس غنيمة سلطة، بل مشروع وطن وامتداد لرسالة عظيمة. رجال بنوا الإدارة والتعليم والخدمة المدنية، ورسّخوا قيم الكفاءة والانضباط والولاء لفكرة الدولة والإخلاص للملك.
لكن السؤال الذي يطارد الأردنيين اليوم، وهم يحتفلون بعيد الاستقلال الثمانين، ليس فقط، كيف صمد الأردن؟ بل: كيف يستعيد الروح التي بُني بها؟
في ليلةٍ عمّانية هادئة، بدت المدينة كأنها تستعيد ذاكرتها بصعوبة. الأضواء تتمدد فوق الجبال، والسيارات تصرخ في الشوارع، والناس يمضون مسرعين كأنهم يهربون من شيءٍ لا يعرفونه.
في الأسفل، كان المدرج الروماني، صحن المدينة، غارقًا في صمته المعتاد، كشيخٍ أتعبه الزمن، يراقب الشوارع القديمة التي أنهكها التعب، والأسواق التي تبدّلت وجوهها. وفوقه وقف جبل القلعة كحارسٍ عجوز يرى ما لا يراه الناس، ويتذكر ما تحاول بعض أحياء المدينة نسيانه.
هناك، بدأ حوارٌ لم يسمعه البعض، وربما كان يسمعه الجميع. حوارٌ لم يكن عن الحجر والتاريخ فقط، بل عن الدولة، والناس، والعدالة، والخوف على المستقبل.
قال صحن عمّان بصوتٍ مثقل بالحنين: يا قلعة، وأنت الأقدم، كم مرة رأيتِ هذه المدينة تتبدل؟ وهل تشعرين أحيانًا أنها لم تعد تشبه نفسها؟
بهدوء الحكمة القديمة، أجابت القلعة: منذ العمونيين، مروراً بالرومان، والأمويين، وحتى الدولة الحديثة، وأنا أرى المدن تتغير، لكنها لا تموت، إلا أنه قد يختفي وجهها الحقيقي، وبعضها تفقد روحها. وحين تضيع الروح، يصبح الحجر مجرد كتل، وتصبح بعض المؤسسات تعمل بلا معنى اجتماعي.
تنهد الصحن وقال: كنتُ يومًا قلب عمّان. هنا كانت الأسواق والمقاهي والحوارات السياسية والثقافية والمظاهرات. هنا كان الناس يختلفون نهارًا ثم يعودون ليجلسوا إلى الطاولة نفسها مساءً. وهنا كان المسؤول يرى المواطن بعينيه، وكان يخشى المرور بين الناس إن أخطأ. كان الفقير يشعر أن المدينة له كما هي للتاجر والوجيه. أما اليوم، فقد تحولتُ إلى صورةٍ سياحية في نشرة تسويقية.
قالت القلعة: لأن مركز الحوار لم يعد هنا. لقد انتقل إلى جبال أخرى مغلقة؛ حيث القصور والأسوار العالية، هناك، داخل الأسوار تتشكل دوائر النفوذ، وتنسج خيوط العلاقات، بعيدًا عن أعين الناس ورقابة المجتمع.
ضحك الصحن بحزن: المشكلة ليست في انتقال الجغرافيا فقط، بل في انتقال النفوذ الثقافي والسياسي والاجتماعي معها. أنا رأيتُ سيل عمّان والأنفاق التاريخية تُدفن، والحارات القديمة تُهدم باسم الحداثة، وكأن أطراف المدينة أصبحت تخجل من تاريخ قلبها. حتى العلاقات الاجتماعية تغيّرت؛ كان الناس يعرفون بعضهم بالأسماء، أما اليوم فيعيش الجار قرب الجار دون أن يعرف إن كان حيًا أو ميتًا.
ثم سأل: ألا ترين أن ما جرى في بعض الأحياء، لم يكن مجرد تطور عمراني، بل انتقال نفوذ تدريجي، من موقع لآخر، حيث تلتقي شبكات المصالح والنفوذ لتحمي نفسها؟
أجابت القلعة: الخطر ليس في وجود المصالح، فهي موجودة في كل الدول، بل حين تبدأ النخب الاقتصادية والسياسية بالتحول إلى دوائر مغلقة تتبادل الامتيازات، وتعيد إنتاج نفسها بالنفوذ والعلاقات، ويُستبعد أصحاب الكفاءة لأنهم يهددون توازن النفوذ القائم بين تلك الشبكات.
ردّ الصحن: لكن ما يحيرني، ليس تغيّر الحجر، بل الثروة والبشر. ومن أين خرجت كل هذه الأموال التي مولت بناء تلك القصور؟ وكيف تحوّل بعض الموظفين إلى أصحاب إمبراطوريات مالية وعقارية؟
صمتت القلعة قليلًا ثم قالت: في الماضي كان الرجال يخشون التاريخ، أما اليوم فالبعض يظن أن التاريخ لا يسجل شيئًا، ويمكن تحريفه.
قال الصحن بحزن: وهذا ما أخشاه على الوطن؛ أن ينظر البعض إلى جيبه أكثر مما ينظر إلى تاريخه. وأن يستمر نهج تهميش الكفاءات، لأنها لا تنتمي إلى شبكة العلاقات؟ وكم من مشروع إصلاحي تعطّل لأن نجاحه يهدد مصالح قائمة؟ وكم من مسؤولٍ صادق اصطدم بجدارٍ غير مرئي؟ وأضاف، إن قول الحقيقة أصبح وكأنه أقرب إلى الهرطقة، وعندما يتناول الصادقون المشاريع بلغة الأرقام، يتهمون، بأنهم يبتكرونها من مخيلتهم، علماً بأنها أرقام صادرة عن المسؤولين أنفسهم وموثقة، ولماذا لا تناقش في العلن مع المسؤولين ذاتهم، كما كان يحصل في مدرجي.
ساد الصمت قبل أن تقول القلعة: لكن لا تنسَ أن هناك من يحمي فكرة الدولة.
سأل الصحن: تقصدين الملك؟
قالت القلعة: نعم. فالملك، ويساعده ولي العهد، يدركان أن أخطر ما يهدد الأوطان ليس الفقر وحده، بل تآكل الثقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع. ولهذا يتكرر حديث الملك، عن سيادة القانون، والإصلاح الإداري والسياسي، وتحديث الاقتصاد والتعليم، وتمكين الكفاءة ومحاربة الفساد والترهل. فالملك يعرف أن الأزمات يمكن تجاوزها، إلا حين يشعر المواطن أن مستقبله مغلق مهما اجتهد.
نظر الصحن نحو المدينة وقال: ورغم كل شيء، الأردن اليوم يحتفل بعيد استقلاله الثمانين، وقد مرّ أكثر من قرن على تأسيس الدولة، وما يزال واقفًا وسط إقليم لا يعرف الاستقرار، ومن الواضح أنه سيبقى.
أجابت القلعة بصوتٍ مثقلٍ بالتاريخ: لأن الأردن لم يُبنَ يومًا على منطق الغلبة، بل على فكرة الدولة؛ على الإيمان بأن الوطن أكبر من المصالح، وأن الاستقرار يُصنع بالعقل لا بالصراع. كان هناك رجالٌ حملوا فكر الهاشميين بوصفه مشروعَ دولةٍ ورسالةَ اعتدال، فبنوا وطنًا وسط العواصف، وما زال في هذا البلد من يؤمن بتلك الفكرة ويحملها بصدق، لكن كثيرًا منهم أُقصي أو تراجع حضوره خلف شبكات النفوذ والمصالح الضيقة.
ثم صمتت قليلًا قبل أن تقول: لكن السؤال الأخطر اليوم ليس في من بقي، بل ماذا حدث لعقل الدولة نفسه؟
سأل الصحن: تقصدين الإدارة؟
قالت القلعة: نعم، كيف تحوّل وطنٌ كان يُنجب القيادات الإدارية، والمعلمين، والكفاءات، إلى دولةٍ تتراجع فيها جودة التعليم والإدارة والخدمات؟ ولماذا تتسع الفجوة بين وضوح الرؤية الملكية وقدرة بعض المؤسسات التنفيذية على تحقيقها؟
وتابعت، بحزن، المشكلة ليست في غياب الرؤية، بل في ترهّل الإدارة، وفي بعض النخب، وضعف المساءلة وتراجع الضمير المهني. فالتحدي الحقيقي ليس الحفاظ على الاستقرار فقط، بل استعادة روح الخدمة العامة واحترام المعرفة والإيمان بأن قوة الأوطان تُقاس بكفاءة مؤسساتها وعدالة فرصها.
تنهد الصحن وقال: لأن جزءًا من البيروقراطية لم يعد يدير الدولة بعقل الدولة، بل بعقل الشبكات والمصالح. هناك من يقاوم التغيير بصمت، ومن يخشى الإصلاح لأنه يهدد امتيازاته.
قالت القلعة: ولهذا تبدو الأزمة أعمق من مجرد اقتصاد؛ إنها أزمة إدارة وثقة وهوية وانتماء أيضًا. فهناك من يشعر أنه داخل الدولة، وآخر يقف على هامشها، وهناك من يرى الوطن فرصةً تُستغل، ومن يراه وطنًا يجب الدفاع عنه وحمايته، وآخرون يرونه بابًا مغلقًا. لكن الخطر الأكبر يبقى في تآكل الطبقة الوسطى؛ لأن الدولة التي تفقد طبقتها الوسطى وثقتها، تفقد توازنها التاريخي تدريجيًا.
قال الصحن: ولهذا، ألا تشعرين بأنه أصبح هناك غضب صامت، فالناس لم تعد تصرخ كثيرًا، لكنها فقدت الثقة تدريجيًا.
أجابت القلعة: لكن ما زال بالإمكان الإنقاذ.
رفع الصحن صوته: وكيف؟
قالت القلعة: ليس بالشعارات ولا بالوعود المتكررة، أو بحملات العلاقات العامة، ولا بتضخيم كلف المشاريع الإستراتيجية، بل بعقد اجتماعي جديد بين مؤسسات الدولة والمجتمع، يقوم على العدالة والكفاءة والشفافية. أن يشعر الأردني أن القانون يراه قبل اسمه وعلاقاته، وأن تصبح الكفاءة أهم من النفوذ، والعمل أهم من الشبكات المغلقة.
ثم أضافت: ماذا لو أُعيد الاعتبار لكفاءات المدينة؟ وماذا لو أُنشئت هيئة وطنية فاعلة، بدلاً من إحدى الهيئات التي نراها في كل مكان، مهمتها دراسة مصادر الثروات، التي تراكمت خلال السنوات، وكل أشكال الإثراء غير المشروع المرتبط بالنفوذ أو الوظيفة؟
وأضافت: لم تعد المهمة مستحيلة. فالدولة تمتلك قواعد بيانات وربطًا إلكترونيًا قادرًا على كشف الفجوة بين الدخل المشروع والثروات غير المبررة، إن توفرت الإرادة المؤسسية. فالدولة قادرة على معرفة كل التفاصيل، حتى الهواتف تعرف أين يذهب أصحابها، ومقارنة الضرائب المدفوعة، مع الثروات المتراكمة. فالمحاسبة ليست انتقامًا أو انتقائاً، بل لتحصيل حقوق الخزينة من الأموال المتهربة أو غير المسددة، وإعادة دمجها في الاقتصاد الوطني بصورة قانونية وعادلة، حماية للدولة واستعادة ثقة الناس.
ثم أضافت، ألسنا من يعرف عمّان، تجارها وموظفيها، ونعرف الأرض بأحواضها وأهلها وورثتهم.
وتابعت: وماذا لو تم تمكين أصحاب الكفاءة الحقيقيين، وربط التنمية بالمحافظات، حتى لا تبقى عمّان وحدها مركز الفرص؟
قال الصحن: أتذكرين حين تحدثت تقارير رقابية عن هدر في المال العام؟ ماذا لو أُعيدت هيكلة الرقابة بصورة مستقلة وحديثة، أظن أنه من الممكن استعادة جزء مهم من موارد الدولة، دون تحميل الطبقة الوسطى والفقراء مزيدًا من الأعباء.
أجابت القلعة: إن كنت قلعة عسكرية، فتخيّل لو أن الأموال المستعادة، وُجّهت لدعم القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، والتعليم والصحة والبنية الاقتصادية لتعزيز منعة الوطن. حينها سيشعر المواطن أن العدالة ليست شعارًا سياسيًا، أو انتقاماً كما سيظن البعض، بل جزء من حماية مستقبل الوطن.
ساد الصمت مجددًا، وكأن المدينة تهرب من أسئلتها، بينما كان البعض يواصل السهر فوق بعض جبال عمّان.
ثم قالت القلعة بهدوء: احذر يا صحن عمّان، فالمدن لا تفقد روحها حين تضعف اقتصاديًا فقط، بل حين يشعر أهلها أن العدالة غادرت المكان، وأن الثروة أصبحت أعلى من الكفاءة، والمصلحة الخاصة أعلى من الولاء للدولة والملك.
وأضافت: لكن الدول التي تمتلك شجاعة مواجهة أخطائها تستطيع دائمًا أن تبدأ من جديد، والأردن بقيادته الهاشمية قادر على ذلك.
ردّ الصحن بصوتٍ بدا كأنه يخرج من عمق التاريخ: أنا أحمل اسماً قديماً، إلا أن حجارتي من صخور هذا البلد، وأنتمي لترابه، وأخلص للملك، وبذات الوقت أنا حزين، ليس لأن مركز الحوار غادرني إلى أحياء أخرى أو إلى كافيهات يجتمع فيها بعض الفيسبوكيين بدل أصحاب الفكر والمثقفين، بل لأن روح المدينة غادرت معه. ومع ذلك، ما دمتِ يا قلعة تجلسين فوق الجبل بروح عسكرية، وتراقبين، ومخلصة للأرض والملك، وتقولين إن هناك فرصة، فأنا أؤمن معك بذلك. فالمدن التي تملك ذاكرة وطن، ستبقى في القلب، مهما تغير شكلها.
وفي ليلة الاستقلال، بدا وكأن عمّان كلها كانت تُصغي لذلك الحوار الطويل؛ حوار القلعة وصحن عمّان، بين ذاكرة الدولة وأسئلة المستقبل.

