صراحة نيوز – خاص
لم تعد التجارة غير المرخصة تقتصر على بضائع مقلدة أو منتجات عادية تباع عبر صفحات مجهولة على مواقع التواصل. الأخطر اليوم هو تمدد ما يمكن تسميته بـ“متاجر الظل”، وهي صفحات ومتاجر إلكترونية غير مرخصة تروّج لمنتجات ومستحضرات طبية وجنسية مجهولة المصدر، بعضها يُباع بادعاءات علاجية خطيرة، وبعضها يدخل إلى منازل المواطنين دون رقابة صحية أو قانونية، مستفيدًا من غطاء شركات توصيل تتعامل معها وكأنها نشاط تجاري طبيعي.
المشكلة لا تقف عند مخالفة إدارية أو تهرب من الترخيص، بل تمس صحة الناس وسلامتهم مباشرة. فهذه المنتجات التي تُباع تحت عناوين جذابة مثل “مضمون”، “طبيعي 100%”، “نتائج فورية”، و“بدون آثار جانبية”، قد تكون مجهولة التركيب، أو منتهية الصلاحية، أو مهربة، أو غير مسجلة لدى الجهات المختصة. الأخطر أن بعضها يرتبط باستعمالات حساسة، طبية أو جنسية، تجعل الضحية تتردد في الشكوى خوفًا من الإحراج أو الفضيحة.
وتعتمد هذه المتاجر على أسلوب واضح: صفحة بلا عنوان حقيقي، رقم هاتف متغير، إعلانات ممولة، ووعود كبيرة. وبعد إتمام الطلب، تدخل شركات التوصيل على الخط، فتتحول إلى حلقة أساسية في إيصال منتجات مشبوهة إلى المواطنين، دون التحقق من طبيعة البضاعة، أو مصدرها، أو قانونية الجهة التي تبيعها.
وهنا يبرز السؤال الأخطر: هل دور شركة التوصيل مجرد نقل طرد مغلق؟ أم أنها تصبح شريكًا في المخالفة عندما تتعامل بشكل متكرر مع متاجر غير مرخصة، وتعلم طبيعة منتجاتها، وتستفيد ماليًا من استمرار هذا النشاط؟
إن الاختباء خلف عبارة “نحن فقط نوصل الطلبات” لم يعد مقبولًا عندما يتعلق الأمر بمنتجات طبية أو مستحضرات تمس صحة الإنسان. فالتوصيل ليس مبررًا لغسل المسؤولية، ولا يجوز أن تتحول شركات التوصيل إلى ممر آمن لبضائع مجهولة المصدر، خصوصًا عندما تكون هذه البضائع خاضعة للرقابة والترخيص والتسجيل.
المواطن الذي يشتري هذه المنتجات قد لا يعرف أنه يغامر بصحته، وقد يظن أن وصول المنتج عبر شركة توصيل معروفة يمنحه نوعًا من الثقة. وهذا تحديدًا ما تستغله متاجر الظل؛ فهي تستخدم اسم شركة التوصيل، وانتشارها، ولباس موظفيها، لإعطاء انطباع زائف بأن العملية قانونية وآمنة.
المطلوب اليوم تحرك واضح من الجهات الرقابية، لا يكتفي بملاحقة الصفحة أو الرقم، بل يذهب إلى كامل السلسلة: من يعلن، من يبيع، من يخزن، من يوزع، ومن يوصل. كما يجب إلزام شركات التوصيل بعدم التعامل مع أي متجر يبيع منتجات طبية أو صحية أو جنسية إلا بعد التحقق من ترخيصه، ومصدر بضاعته، والجهة الرقابية المسؤولة عنه.
كما أن على الجهات المختصة فتح تحقيق واسع في آلية عمل هذه المتاجر، ومراجعة سجلات شركات التوصيل التي تتعامل معها، ومعرفة حجم الطلبات، وأسماء المتاجر، ومصادر المنتجات، وما إذا كانت هناك شبكة منظمة تستغل ضعف الرقابة وحساسية طبيعة المنتجات لتمرير تجارة خطيرة ومربحة.
صحة المواطنين ليست طردًا مجهولًا يُسلّم على باب البيت. والمنتجات الطبية والجنسية ليست مجالًا للفوضى ولا للإعلانات المضللة ولا للمتاجر الوهمية. ومن يتستر على هذه التجارة، أو يسهل وصولها، أو يربح منها، لا يقل خطورة عن من يبيعها.
المطلوب ليس حملة مؤقتة، بل قرار واضح: لا متجر بلا ترخيص، لا منتج طبي بلا تسجيل، لا توصيل لبضاعة مجهولة، ولا تهاون مع من يحوّل حاجة الناس وخجلهم إلى سوق سوداء تهدد صحتهم وكرامتهم.

