90 دقيقة تغيّر ثقافة الأمم: من التعصب إلى التحضر

4 د للقراءة
4 د للقراءة
90 دقيقة تغيّر ثقافة الأمم: من التعصب إلى التحضر

صراحة نيوز- د. منى النحلاوي

كيف يمكن لتسعين دقيقة داخل ملعب أن تعكس مستوى تحضر مجتمع بأكمله؟ وكيف يمكن لمباراة واحدة أن تكشف قدرتنا على قبول الآخر أو حجم التعصب الكامن فينا؟

نحن اليوم مقبلون على حدث عالمي يؤكد أن أبناءنا قادرون على الوصول إلى العالمية ورفع صوتهم إلى مختلف أنحاء العالم. فالرياضة ليست مجرد منافسة أو وسيلة للترفيه، بل هي أداة اجتماعية وثقافية تسهم في تعزيز قيم التسامح والتعايش وتقليل العنف، وهو ما يتقاطع مع الهدف السادس عشر من أهداف التنمية المستدامة الداعي إلى بناء مجتمعات أكثر سلاماً وعدالة.

ويتقاطع هذا المفهوم مع رؤية ابن خلدون في مقدمته حول العصبية والترابط الاجتماعي، حيث يرى أن تماسك المجتمعات ينبع من رابطة تجمع أفرادها وتدفعهم نحو التعاون والبناء. وفي عصرنا الحديث تؤدي الرياضة دوراً مشابهاً من خلال العمل الجماعي والانتماء للفريق والالتزام بقواعد الروح الرياضية، فتُنشئ روابط اجتماعية إيجابية تقوم على الاحترام والمسؤولية والتعايش.

فالرياضة لا تبني الفرق فقط، بل تساهم أيضاً في بناء منظومة أخلاقية تضبط السلوك وتحد من الفوضى. وهنا تظهر ثنائية الغالب والمغلوب التي تحدث عنها ابن خلدون؛ فهي قد تتحول إلى تعصب وكراهية إذا غاب الوعي، وقد تصبح وسيلة للارتقاء الإنساني إذا حضرت الروح الرياضية وتقدمت قيم الاحترام على الانفعال.

وعندما نرتقي بثقافة التشجيع يتغير مفهوم الفوز والخسارة. فالفوز لا يعني تفوقاً عرقياً أو مذهبياً أو طبقياً، والخسارة لا تنتقص من قيمة الإنسان أو هويته، بل هي نتيجة طبيعية في أي منافسة هدفها التعلم والتطور والاستمتاع.

ويرى ابن خلدون أن “المغلوب مولع بالاقتداء بالغالب”، ويمكن لهذا الميل أن يتحول في الرياضة إلى دافع إيجابي يدفع الخاسر إلى تطوير مهاراته ومحاكاة انضباط الفائز وأسلوبه في العمل، بدلاً من الانجراف نحو الحقد والبحث عن الأعذار.

ومن هنا تبرز أهمية الفصل بين الهوية والنتيجة؛ فخسارة فريق لا تعني خسارة المشجع لذاته، كما أن فوز الفريق لا يمنحه تفوقاً أخلاقياً على الآخرين. فالرياضة نشاط إنساني قبل كل شيء، وجمالها الحقيقي يكمن في الأداء والمهارة وروح المنافسة الشريفة.

كما أن الرياضة قائمة على التغيير المستمر؛ فاليوم غالب وغداً مغلوب، تماماً كما تمر الدول والمجتمعات بدورات من التقدم والتراجع. والخسارة ليست نهاية الطريق، بل فرصة للمراجعة والتعلم وتحسين الأداء. وعندما نؤمن بهذه الحقيقة تتحول مشاعر الإحباط إلى طاقة تدفع نحو التطور.

إن الهدف الأسمى للرياضة هو بناء جسور التواصل بين الشعوب ونبذ الأحقاد، لا إشعال صراعات جديدة. لذلك فإن القيادة الحقيقية لا تقتصر على من يقود الفريق داخل الملعب، بل تبدأ من القيادة الذاتية لكل مشجع، ومن قدرته على ضبط انفعالاته وإدراك أن الرياضة وسيلة حضارية للتقارب لا للتفرقة.

لذلك نحن بحاجة إلى الانتقال من ثقافة النتيجة إلى ثقافة الأداء، ومن التعصب إلى التحضر، ومن الشغب إلى التعلم، ومن الغطرسة إلى احترام المنافس. فالمجتمعات القوية لا تُقاس فقط بعدد انتصاراتها، بل بقدرتها على التعامل الراقي مع الفوز والخسارة على حد سواء.

وهنا سؤالي لكل مشجع:

هل أنت مع ثقافة الأداء والتحضر وقبول الآخر في ثنائية الغالب والمغلوب، أم أننا ما زلنا أسرى ثقافة الشغب والتعصب عندما لا تأتي النتيجة كما نريد؟

باحثة في القضايا الاجتماعية

شارك هذا المقال