صراحة نيوز – بقلم: المحامي حسام العجوري
في الوقت الذي يواجه فيه المواطن الأردني ضغوطاً اقتصادية متزايدة وارتفاعاً مستمراً في كلفة المعيشة، تبرز تساؤلات مشروعة حول مدى الرقابة المفروضة على الحوافز والمكافآت والمخصصات التي تُصرف لكبار المسؤولين في بعض المؤسسات والوزارات، وحول الدور الذي يقوم به مجلس النواب في متابعة هذه الملفات التي تمس المال العام بشكل مباشر.
إن الرقابة البرلمانية ليست امتيازاً أو خياراً يمكن ممارسته أو تجاهله، بل هي واجب دستوري أصيل وركيزة أساسية من ركائز حماية المال العام وضمان سلامة الإنفاق الحكومي. ومن هنا يحق للمواطن أن يتساءل: هل تخضع الحوافز والمكافآت التي تُصرف للوزراء ومدراء مكاتبهم والأمناء العامين ومساعديهم لرقابة حقيقية وفاعلة؟ وهل يتم التدقيق في الأسس القانونية التي تستند إليها هذه المدفوعات؟ وهل تتم مراجعة المكافآت التي يحصل عليها بعض المسؤولين نتيجة عضويتهم في اللجان أو الهيئات أو المؤسسات المختلفة؟
هذه الأسئلة لا تأتي من فراغ، بل نتيجة ما يتم تداوله بين الحين والآخر من معلومات ووثائق تتعلق بمكافآت وحوافز مالية كبيرة تُصرف لبعض المسؤولين، إضافة إلى مشاركات في لجان وهيئات متعددة يترتب عليها حصولهم على مبالغ إضافية من المال العام. كما أن هناك تساؤلات حول بعض المهمات والسفرات الخارجية التي تتم على نفقة المؤسسات العامة ومدى توافقها مع التشريعات والتعليمات النافذة وأسس الضرورة والمصلحة العامة.
ومن الأمثلة التي تستوجب التحقق والتدقيق، ما يثار حول حصول بعض مدراء مكاتب الوزراء على مكافآت مالية نتيجة عضويتهم في لجان مختلفة، وما تم تداوله سابقاً عن مكافآت شهرية كبيرة صُرفت لبعض الأمناء العامين، إضافة إلى تساؤلات حول سفرات خارجية لمسؤولين وموظفين كبار إلى عدد من الدول خلال العام الحالي، ومدى انسجام تلك السفرات مع أحكام القانون والتعليمات الناظمة للإنفاق العام والسفر الرسمي.
وإذا كانت هذه الممارسات قانونية ومستندة إلى تشريعات واضحة، فإن من حق الرأي العام الاطلاع عليها بشفافية كاملة. أما إذا كانت هناك تجاوزات أو ثغرات قانونية أو سوء استخدام للسلطة الوظيفية، فإن الواجب الوطني والأخلاقي يفرض فتح تحقيقات جادة ومحاسبة المسؤولين عنها دون أي تردد أو استثناء.
إن مجلس النواب يمتلك أدوات رقابية واسعة، تبدأ بالسؤال النيابي والاستجواب وطلب المناقشة العامة، ولا تنتهي بتشكيل لجان التحقيق ومساءلة الحكومة. ولذلك فإن الصمت تجاه هذه الملفات أو عدم متابعتها بالشكل المطلوب يفتح الباب أمام المزيد من التساؤلات حول فعالية الرقابة البرلمانية ومدى قدرتها على حماية المال العام.
المطلوب اليوم ليس إطلاق الاتهامات أو إصدار الأحكام المسبقة، بل فتح الملفات بشفافية كاملة، ونشر جميع البيانات المتعلقة بالحوافز والمكافآت والبدلات والمخصصات المالية التي يحصل عليها كبار المسؤولين، وبيان الأساس القانوني لكل دينار يُصرف من خزينة الدولة، وإخضاع الجميع للمساءلة وفق مبدأ سيادة القانون.
كما أن من واجب مجلس النواب أن يوضح للرأي العام ما إذا كانت المكافآت التي تُصرف للمسؤولين بصفتهم أعضاء في اللجان أو الهيئات أو المؤسسات المختلفة تخضع للرقابة البرلمانية، وما إذا كانت هذه المبالغ تتوافق مع أحكام التشريعات النافذة، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها المواطن الأردني.
فالمال العام ليس ملكاً لأحد، والمناصب العامة ليست وسيلة لتحقيق المكاسب الشخصية، بل مسؤولية وأمانة. وأي إنفاق لا يحقق المصلحة العامة أو يتم خارج إطار القانون يجب أن يخضع للمراجعة والمحاسبة.
ويبقى السؤال قائماً: أين مجلس النواب من هذه الملفات؟ وأين دوره الرقابي في تتبع أوجه الإنفاق والمكافآت والحوافز التي تُصرف من أموال الأردنيين؟ فالمواطن ينتظر رقابة حقيقية وشفافية كاملة، لا أن تبقى هذه الملفات محل تساؤلات وشكوك دون إجابات واضحة وحاسمة.
إن حماية المال العام تبدأ من الرقابة الجادة، والرقابة الجادة تبدأ من مجلس النواب. وإذا غابت الرقابة، أو ضعفت أدوات المساءلة، فإن التجاوزات ستجد طريقها إلى الاستمرار، وسيبقى المواطن هو الطرف الذي يدفع الثمن.
فالرقابة البرلمانية ليست ترفاً سياسياً، بل أمانة دستورية ومسؤولية وطنية لا تحتمل الصمت أو التردد عندما يتعلق الأمر بالمال العام وحقوق الأردنيين.

