الجنرال: حين تفرض الوثيقة حضورها في غياب المساءلة

5 د للقراءة
5 د للقراءة
الجنرال: حين تفرض الوثيقة حضورها في غياب المساءلة

صراحة نيوز – بقلم الكاتب: م. معاذ المبيضين

منذ أشهر، بات حساب ما يسمى بالجنرال او “المفتش العام” على فيسبوك حاضراً بثبات في المشهد العام الأردني، ينشر وثائق ومعطيات تتعلق بملفات فساد مفترضة، بأسلوب يعتمد على المستند لا على الادّعاء، وعلى التوثيق لا على التحريض. هذا النمط من الحضور، رغم أن صاحبه لا يزال مجهول الهوية للعامة على أقل تقدير، إلا أنه قد اكتسب مصداقية متزايدة لدى شريحة واسعة من المتابعين، ليس بفعل الجرأة وحدها، بل لأن ما يطرح غالباً يرتكز على مستندات يصعب الطعن فيها بسهولة. واللافت أن هذا الحساب لم يظهر من فراغ، بل هو نتاج مباشر لبنية رقابية اختل توازنها على مدى سنوات، حين ضاقت المساحة الرسمية والشعبية المنضبطة لممارسة المساءلة، فوجد المجتمع في هذا الشكل من الحضور امتداداً طبيعياً لحاجة لم تعد القنوات القائمة قادرة على استيعابها.

تتوزع وظيفة المساءلة في أي نظام حوكمة متماسك على طبقات متعددة: أجهزة رقابية رسمية، إعلام مستقل قادر على التحقيق والنشر، ومساحة نقاش عام يمارس ضغطاً تراكمياً مسؤولاً. وحين تضعف هذه الطبقات أو تُقيَّد، لا تختفي الحاجة إلى المساءلة، بل تعيد تشكيل مسارها. وظهور حساب المفتش العام يمكن قراءته في هذا السياق: ليس كخروج عن الدولة، بل كتعويض عن فجوة تركتها الدولة نفسها حين تباطأت أو ترددت أدواتها الرسمية في أداء أدوارها بالسرعة والشفافية التي يتوقعها الرأي العام.

ما يميز هذا الحساب عن كثير من أشكال التداول العشوائي للمعلومة في الفضاء الرقمي هو انضباطه النسبي: بالاعتماد على الوثيقة كوحدة أساس للطرح، والابتعاد -على الأقل في الغالب- عن لغة التحريض أو التعميم. وهذا ما يفسّر أن جزءاً من الرأي العام تعامل معه لا بوصفه ظاهرة فوضى، بل بوصفه شكلاً من أشكال المساءلة البديلة التي نشأت لأن القنوات الرسمية لم تكن حاضرة بالقدر الكافي.

لا يمكن فهم بروز هذا النمط من الحسابات بمعزل عن الأثر التراكمي لقانون الجرائم الإلكترونية، الذي جاء بذريعة تنظيم الفضاء الرقمي وحماية الأفراد من التشهير والابتزاز، لكنه أفضى عملياً إلى نتيجة معاكسة لجزء من غاياته المعلنة: فتراجع استعداد كثير من المستخدمين، والصحفيين، وحتى الناشطين المدنيين المسؤولين، لطرح قضايا الشأن العام بأسمائهم الحقيقية، خشية الملاحقة القانونية أو التفسير الفضفاض لبعض مواده.
هذا التراجع لم يلغ الرغبة الشعبية في المساءلة، بل دفعها نحو أشكال جديدة من الحضور، لا تخضع بالضرورة لهوية معلنة، لكنها في المقابل حاولت أن تعوّض غياب الاسم بصرامة أكبر في الاعتماد على الوثيقة والدليل. بمعنى آخر، القانون الذي صيغ لضبط الخطاب الرقمي، دفع جزءاً من الرقابة الشعبية المسؤولة إلى العمل من خلف ستار، لا لأنها تريد التنصل من المسؤولية، بل لأن المساحة المتاحة للمساءلة العلنية بالاسم الصريح ضاقت إلى حد الخطر الفعلي على من يمارسها.

في السياقات السليمة، تعد الرقابة الشعبية غير الرسمية مكمّلة للرقابة المؤسسية، فهي تضغط باتجاه الشفافية وتُبقي الملف العام حياً إلى أن تتحرك الجهات المخوّلة رسمياً بمعالجته. وأن يحظى حساب كهذا بهذا الحجم من المتابعة والثقة ليس، في جوهره انتقاصاً من هيبة الدولة، بل هو مؤشر أداء غير مباشر: يقيس المسافة بين ما تنتظره الأجهزة الرقابية الرسمية من ثقة شعبية، وما تحصل عليه فعلياً. فكلما بدت هذه الأجهزة أبطأ أو أقل وضوحاً في تفسير خطواتها، اتسعت المساحة التي يشغلها البديل غير الرسمي، ليس لأنه يزاحمها عمداً، بل لأن الفراغ يستدعي من يملأه.

الإشكالية الأعمق هنا ليست في وجود حساب يمارس دوراً رقابياً من خارج الدولة، بل في السؤال عن الجهة التي كان من المفترض أن تشغل هذا الدور أصلاً، ولماذا لم تفعل بالقدر الذي يرضي المتلقي. فالرقابة الرسمية تخضع، نظرياً، لمعايير مساءلة داخلية، والإعلام المهني يخضع لأخلاقيات مهنية وقانونية؛ أما هذا النمط من الحضور فقد فرض نفسه كحل مؤقت، ينبغي أن يُقرأ كعرَض لضعف في الأداء المؤسسي، لا كخصم منه.
وحين تُضيّق الدولة مساحة الرقابة المنظمة عبر أدوات تشريعية فضفاضة، فإنها لا تُخمد الرغبة في المساءلة، بل تدفعها نحو أشكال جديدة تحاول أن تحافظ على انضباطها رغم غياب الغطاء الرسمي أو المهني الذي كان يمكن أن يحميها. وهذا مؤشر على أزمة ثقة مزدوجة: ثقة المواطن بالمؤسسات الرسمية، وثقة الدولة بقدرة مواطنيها على ممارسة نقد مسؤول دون أن يُشكّل ذلك تهديداً لها.

ختاماً، ظاهرة المفتش العام ليست حدثاً عابراً في فضاء التواصل الاجتماعي، بل عرَض لبنية رقابية تبحث عن توازن جديد: سلطة رسمية تمتلك أدوات فرض القيود على الخطاب العام، ومجتمع وجد في التوثيق المنضبط والذي يبث من خارج الحدود بديلاً حين ضاقت المساحة داخلياً. والسؤال الذي يستحق التأمل ليس كيف نحدّ من حساب يمارس دوراً رقابياً بأدوات دقيقة، بل كيف تُعاد بناء الثقة في القنوات الرسمية بحيث لا تبقى الوثيقة الحساسة بحاجة إلى واجهة مجهولة لتصل إلى الرأي العام.

 

شارك هذا المقال