جرائم القتل في الأردن… معالجة الأسباب مسؤولية وطنية قبل أن تتحول إلى أزمة مجتمعية

4 د للقراءة
4 د للقراءة
جرائم القتل في الأردن... معالجة الأسباب مسؤولية وطنية قبل أن تتحول إلى أزمة مجتمعية

صراحة نيوز- بقلم: فواز أرفيفان الخريشا
إن تنامي جرائم القتل في الأردن لم يعد مجرد أرقام تُضاف إلى السجلات الأمنية، بل أصبح ناقوس خطر يدق أبواب المجتمع والدولة معاً، ويستوجب وقفة وطنية شاملة تتجاوز ردود الفعل الآنية إلى معالجة جذرية للأسباب التي تُنتج الجريمة وتغذيها. فالجريمة لا تولد من فراغ، وإنما تنشأ في بيئة تتراكم فيها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والنفسية، حتى تتحول إلى تهديد مباشر لأمن المجتمع واستقراره.
إن الاقتصار على إدانة الجريمة بعد وقوعها، مهما كان ضرورياً، لا يكفي وحده لحماية المجتمع. فالسؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يُطرح هو: لماذا وصل بعض الأفراد إلى هذه المرحلة من العنف؟ وما هي العوامل التي دفعتهم إلى ارتكاب جرائم تهز ضمير الوطن؟ إن الإجابة الصادقة عن هذه الأسئلة تمثل البداية الحقيقية لبناء سياسة وطنية فاعلة للوقاية من الجريمة.
وفي مقدمة هذه الأسباب تقف البطالة، التي باتت من أخطر التحديات التي تواجه الدولة والمجتمع. فالشاب الذي يفقد فرصة العمل، ويعيش الإحباط والعوز، قد يصبح أكثر عرضة للاستغلال والانحراف والانخراط في السلوك الإجرامي. ولذلك فإن توفير فرص العمل ليس مجرد برنامج اقتصادي، بل هو مشروع وطني لحماية الأمن الاجتماعي، وترسيخ الاستقرار، وصون مستقبل الشباب.
ولا تقل آفة المخدرات خطورة عن البطالة، بل إنها أصبحت من أخطر الأسلحة التي تستهدف المجتمع الأردني، لما تسببه من انهيار أخلاقي واجتماعي وأسري، ولارتباطها الوثيق بجرائم القتل والعنف والسرقة والابتزاز. ومن هنا، فإن استمرار الضرب بيدٍ من حديد على تجار المخدرات ومروجيها، وتشديد العقوبات بحقهم، وتكثيف برامج الوقاية والعلاج والتوعية، يمثل ضرورة وطنية لا تقبل التهاون.
كما أن التسرب المدرسي يعد أحد أخطر المؤشرات التي تستوجب التدخل العاجل، لأن المدرسة ليست مكاناً للتعليم فقط، بل هي المؤسسة التي تصنع الإنسان، وتغرس قيم الانتماء، والالتزام، واحترام القانون. وكل طفل يغادر مقاعد الدراسة مبكراً يصبح أكثر عرضة للفراغ، والاستغلال، والانحراف، ورفقاء السوء، مما يجعل مكافحة التسرب المدرسي مسؤولية وطنية تشترك فيها الأسرة، والمدرسة، والدولة، والمجتمع.
ولا يمكن الحديث عن مجتمع آمن دون إعادة الاعتبار للمنظومة التربوية، وتعزيز مكانة المعلم، وترسيخ الانضباط والاحترام داخل المؤسسات التعليمية، في إطار تربوي يحفظ كرامة الطالب والمعلم معاً، لأن التربية السليمة هي خط الدفاع الأول في مواجهة الجريمة والتطرف والانحراف.
وفي الوقت ذاته، فإن تعزيز العدالة، وترسيخ سيادة القانون، ومحاربة الفساد بكل أشكاله، ورفع كفاءة الإدارة العامة، وحسن إدارة الموارد، وتحقيق العدالة في توزيع الفرص، كلها عوامل تعزز ثقة المواطن بمؤسسات دولته، وترسخ الانتماء الوطني، وتغلق الأبواب أمام كل أسباب الاحتقان واليأس.
إن حماية المجتمع من الجريمة مسؤولية وطنية جماعية، لا تقع على عاتق الأجهزة الأمنية وحدها، بل تبدأ من الأسرة، وتمر بالمدرسة، والجامعة، ووسائل الإعلام، والمؤسسات الدينية، ومنظمات المجتمع المدني، وتنتهي عند الدولة بسياساتها الاقتصادية والاجتماعية والتنموية. فكل مؤسسة مطالبة بأن تؤدي دورها في حماية الإنسان الأردني وصون أمن الوطن.
لقد أثبت الأردن، بقيادته الهاشمية الحكيمة، قدرته على تجاوز أصعب الظروف، والحفاظ على أمنه واستقراره وسط محيط إقليمي مضطرب، وهو إنجاز وطني يستوجب المحافظة عليه وتعزيزه. ولن يتحقق ذلك إلا بإطلاق استراتيجية وطنية متكاملة تعالج جذور المشكلات، وتوفر فرص العمل، وتحاصر المخدرات، وتكافح التسرب المدرسي، وتدعم الأسرة، وتعزز منظومة القيم، وتفتح أمام الشباب أبواب الأمل والإنتاج والإبداع.
فالأمن الحقيقي لا يتحقق بالعقوبات وحدها، ولا بالسلاح وحده، وإنما يتحقق عندما يشعر المواطن بالعدالة، ويحظى بفرصة عمل كريمة، ويتلقى تعليماً نوعياً، ويعيش في مجتمع تحكمه سيادة القانون، وتُصان فيه الكرامة الإنسانية، وتُحترم فيه الحقوق والواجبات.
حفظ الله الأردن، بقيادته الهاشمية الحكيمة، بقيادة حضرة صاحب الجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، وسمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد الأمين، وأدام على وطننا نعمة الأمن والاستقرار، وحمى أبناءه من كل سوء، وأبقى راية الأردن خفاقة بالعزة والكرامة.
عاش الأردن، وعاش الملك، وسيبقى وطننا، بإذن الله، عصياً على كل من يحاول النيل من أمنه ووحدته، بوعي شعبه، وقوة مؤسساته، وحكمة قيادته الهاشمية.

شارك هذا المقال