صراحة نيوز- بقلم: د. ثابت المومني
نحن مع وزارة المياه في ملاحقة كل من يسرق المياه أو يعتدي على مصادرها لكن القانون لا يحقق العدالة إذا طبق على سارق في العقبة وتوقف أمام من يستنزفون أكثر من مئة مليون متر مكعب سنويا من مياه الديسي سواء جرى ذلك بعلم الحكومة أو من دون علمها
أعلنت وزارة المياه الإطاحة بسارق مياه في العقبة وظهرت العناوين وكأن الوزارة حققت نصرا عظيما في معركة حماية المياه ونحن نؤيد ملاحقة كل معتد على المياه ونطالب بأشد العقوبات على كل من يسرق قطرة واحدة من حق الأردنيين
لكن الأردن لا يعطش بسبب سارق واحد فحسب وإنما بسبب استنزاف واسع لمياهه يجري في أكثر من منطقة وفي مقدمتها الديسي والبوادي والأغوار وقناة الملك عبد الله والآبار غير المرخصة والآبار التي قد تتجاوز كميات الضخ المسموح بها
إن جميع المعلومات تشير إلى أن المشاريع الزراعية في الديسي تستهلك أكثر من مئة مليون متر مكعب من المياه سنويا من مخزون جوفي استراتيجي وغير متجدد وحتى لو كانت هذه الكميات تضخ بموجب تراخيص رسمية فإن ذلك لا يجعل هذا الواقع مقبولا في بلد يعيش مواطنوه العطش وينتظر بعضهم أكثر من ثلاثين يوما حتى تصلهم مياه الشرب
إن كميات الضخ المرخصة معلومة لدى الحكومة لأنها صاحبة التراخيص والقرار أما كميات الضخ الفعلية ومدى الالتزام بها فتحتاج إلى رقابة حقيقية وعدادات موثوقة وإعلان واضح للرأي العام فإن كانت الحكومة تعلم بحجم الاستنزاف وتسكت عنه فهذه مشكلة قرار وإن كانت لا تعلم بما يضخ فعليا فهذه مشكلة رقابة وفي الحالتين لا يجوز أن يبقى الملف مغلقا
لا يعقل أن تنفق الدولة مليارات الدنانير على مشاريع لإنتاج المياه بينما تستنزف في الديسي كميات تقارب إنتاج بعض هذه المشاريع في زراعات لا تعود على الاقتصاد الوطني بمنفعة تتناسب مع حجم المياه المستهلكة
سموه استهلاكا مرخصا أو استثمارا زراعيا أو استنزافا أو سرقة مقنعة فالنتيجة واحدة وهي خروج أكثر من مئة مليون متر مكعب سنويا من مخزون الأردنيين بينما يبحث المواطن عن صهريج ماء ويراقب خزان منزله خوفا من نفاد آخر قطرة
إن الأردن مصاب في مقتل في خاصرته المائية ولا يجوز أن يكون القانون قويا على سارق في العقبة ثم يتردد أمام مستنزفي المياه في الديسي وغير الديسي لأن هيبة الدولة تبدأ عندما يكون حق المواطن في مياه الشرب أقوى من كل ترخيص وكل نفوذ وكل مصلحة
نحن لا نتهم شركة بعينها وإنما ندين هذا السلوك والسياسة التي تسمح باستنزاف مورد وطني نادر ثم تحمل الخزينة والمواطن كلفة البحث عن بدائل له
فإذا كانت وزارة المياه قد أطاحت بسارق مياه العقبة فإن الاختبار الحقيقي أمامها هو الإطاحة بكل من يستنزف مياه الديسي بعلم الحكومة أو من دون علمها وفتح الملف كاملا ومراجعة التراخيص وكميات الضخ الفعلية وجدوى الزراعات وإعلان النتائج بشفافية
فمياه الديسي ليست ملكا لمزرعة ولا لشركة ولا لمتنفذ وإنما هي ملك للأردن وللأردنيين وللأجيال القادمة ومن يفرط بها أو يصمت عن استنزافها إنما يفرط بأمن الوطن المائي ومستقبله

